Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 324

Contributors:

P.324
عبيد وأن الله هو الكبير العلي العظيم الحفيظ بكونه بكل شئ محيط فاحتاط بالأشياء ليحفظ عليها وجودها فإنها قابلة للعلم كما هي قابلة للوجود فمن شاء سبحانه أن يوجده فأوجده حفظ عليه وجوده ومن لم يشأ أن يوجد وشاء أن يبقيه في العدم حفظ عليه العدم فلا يوجد ما دام يحفظ عليه العدم فأما أن يحفظه دائما أو إلى أجل مسمى المقيت بما قدر في الأرض من الأقوات وبما أوحى في السماء من الأمور فهو سبحانه يعطي قوت كل متقوت على مقدار معلوم الحسيب إذا عدد عليك نعمه ليريك منته عليك لما كفرت بها فلم يؤاخذك لحلمه وكرمه وبما هو كافيك عن كل شئ لا إله إلا هو العليم الحكيم الجليل لكونه عز فلم تدركه الأبصار ولا البصائر فعلا ونزل بحيث إنه مع عباده أينما كانوا كما يليق بجلاله لي أن بلغ في نزوله أن قال لعبده مرضت فلم تعدني وجعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني فأنزل نفسه من عباده منزلة عباده من عباده فهذا من حكم هذا الاسم الإلهي الرقيب لما هو عليه من لزوم الحفظ لخلقه فإن ذلك لا يثقله وليعلم عباده أنه إذا راقبهم يستحيون منه فلا يراهم حيث نهاهم ولا يفقدهم حيث أمرهم المجيب من دعاه لقربه وسماعه دعا عباده كما أخبر عن نفسه وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني فوصف نفسه بأنه متكلم إذ المجيب من كان ذا إجابة وهي التلبية الواسع العطاء بما بسط من الرحمة التي وسعت كل شئ وهي مخلوقة فرحم بها كل شئ وبها أزال غضبه عن عباده فانظر فهنا سر عجيب في قوله ورحمتي وسعت كل شئ وقوله كل شئ هالك إلا وجهه الحكيم بإنزال كل شئ منزلته وجعله في مرتبته ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وقد قال عن نفسه أن بيده الخير وقال ص له والخير كله بيديك فلم يبق منه شيئا والشر ليس إليك الودود الثابت حبه في عباده فلا يؤثر فيما سبق لهم من المحبة معاصيهم فإنها ما نزلت بهم إلا بحكم القضاء والقدر السابق لا للطرد والبعد ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر فسبقت المغفرة للمحبين اسم المفعول المجيد لما له من الشرف على كل موصوف بالشرف فإن شرف العالم بما هو منسوب إلى الله إنه خلقه وفعله فما هو شرفه بنفسه فالشريف على الحقيقة من شرفه بذاته وليس إلا الله الباعث عموما وخصوصا فالعموم بما بعث من الممكنات إلى الوجود من العدم وهو بعث لم يشعر به كل أحد إلا من قال بأن للممكنات أعيانا ثبوتية وإن لم يعثر على ما أشرنا إليه القائل بهذا ولما كان الوجود عين الحق فما بعثهم إلا الله بهذا الاسم خاصة ثم خصوص البعث في الأحوال كبعث الرسل والبعث من الدنيا إلى البرزخ نوما وموتا ومن البرزخ إلى القيامة وكل بعث في العالم في حال وعين فمن الاسم الباعث فهو من أعجب اسم تسمى الحق به تعريفا لعباده الشهيد لنفسه بأنه لا إله إلا هو ولعباده بما فيه الخير والسعادة لهم بما جاءوا به من طاعة الله وطاعة رسوله وبما كانوا عليه من مكارم الأخلاق وشهيد عليهم بما كانوا فيه من المخالفات والمعاصي وسفساف الأخلاق ليريه منة الله وكرمه بهم حيث غفر لهم وعفا عنهم وكان مالهم عنده إلى شمول الرحمة ودخولهم في سعتها إذ كانوا من جملة الأشياء وإن تلك الأشياء المسماة مخالفة لم يبرزها الله من العدم إلى الوجود إلا برحمته فهي مخلوقة من الرحمة وكان المحل الذي قامت به سببا لوجودها لأنها لا تقوم بنفسها وإنما تقوم بنفس المخالف وقد علمت أنها مخلوقة من الرحمة ومسبحة بحمد خالقها فهي تستغفر للمحل الذي قامت به حتى ظهر وجود عينها لعلمها بأنها لا تقوم بنفسها الحق الوجود الذي لا يأتيه الباطل وهو العدم من بين يديه ولا من خلفه فمن بين يديه من قوله لما خلقت بيدي ومن خلفه لقول رسول الله ص ليس وراء الله مرمى فنسب إليه الوراء وهو الخلف فهو وجود حق لا عن عدم ولا يعقبه عدم بخلاف الخلق فإنه عن عدم ويعقبه العدم من حيث لا يشعر به فإن الوجود والإيجاد لا ينقطع فما ثم في العالم من العالم إلا وجود وشهود دنيا وآخرة من غير إنهاء ولا انقطاع فأعيان تظهر فتبصر الوكيل الذي وكله عباده على النظر في مصالحهم فكان من النظر في مصالحهم أن أمرهم بالإنفاق على حد معين فاستخلفهم فيه بعد ما اتخذوه وكيلا فالأموال له بوجه فاستخلفهم فيها والأموال لهم بوجه فوكلوه في النظر فيها فهي لهم بما لهم فيها من المنفعة وهي له بما هي عليه من تسبيحه بحمده فمن اعتبر التسبيح قال إن الله ما خلق العالم إلا لعبادته ومن راعى المنفعة قال إن الله ما خلق العالم إلا لينفع بعضه بعضا أول المنفعة فيهم للإيجاد فأوجد المحال لينتفع بالوجود من لا يقوم من الموجودات إلا بمحل وأوجد من لا قيام له بنفسه