Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 320

Contributors:

P.320
ومليكة فجاء بلفظة شئ وهي تنطلق على الأعيان الثابتة والوجودية فما وجد منها فهو متناه وما لم يوجد فلا يوصف بالتناهي ثم أنظر في الخبر الإلهي الثابت الصحيح قوله لو أن أولكم وآخركم وما له آخر لأن الأمر لا يتناهى فلا يظهر الآخر إلا فيما وجد ثم يوجد آخر فيزول عن ذلك حكم الآخر وينتقل إلى هذا الذي وجد هكذا إلى ما لا يتناهى وقد يتناهى الأمر في نوع خاص كالإنسان فإن أشخاص هذا النوع متناهية لا أشخاص العالم ولا يتناهى أيضا خلق أشخاص النوع الإنساني بوجه آخر لا يعثر عليه كل أحد وهو في قوله تعالى بل هم في لبس من خلق جديد فعين كل شخص يتجدد في كل نفس لا بد من ذلك فلا يزال الحق فاعلا في الممكنات الوجود ويدل على ذلك اختلاف الأحكام على الأعيان في كل حال فلا بد أن تكون تلك العين التي لها هذه الحال الخاص ليست تلك العين التي كان لها ذلك الحال الذي شوهد مضيه وزواله فيما شوهد من ذلك ثم قال وإنسكم وجنكم وهو ما تبصرون وما لا تبصرون وجاء بلو وهي كلمة امتناع لامتناع أي لو وقع هذا لكان الحكم فيه كما قرره ثم قال كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا وهو الصحيح لأن ذلك عين ملكه فما زاد شئ في ملكه بل يقبل الزيادة ملك الوجود وهو إنما أراد ملك الثبوت فالنقص والزيادة في الوجود ثم قال ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا وكيف ينقص منه والكل عين ملكه ثم قال لو أن أولكم لكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد ثم سألوا فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا لأن المعطى والمعطي إياه ما هو سوى عين ملكه فما خرج شئ عن ملكه إلا أن ملكه منه ما هو موصوف بالوجود ومنه ما هو موصوف بالثبوت فالثبوت والوجود منه لا بد أن يكون متناهيا والثابت لا نهاية له وما لا نهاية له لا يتصف بالنقص لأن الذي حصل منه في الوجود ما هو نقص في الثبوت لأنه في الثبوت لعينه في حال وجوده إلا إن الله كساه حلة الوجود بنفسه فالوجود لله الحق وهو على ثبوته ما نقص ولا زاد فما كسي منه حلة الوجود كأنه تعين وتخصص وحده مما لا يتناهى حد المخيط إذا غمسته في اليم فانظر ما يتعلق به فإنا نعلم أن المثال صحيح فإنا نعلم أن من الأعيان الثابتة ما يتصف بالوجود كما نعلم أن المخيط قد تعلق به من اليم في الغمس ونسبة ما تعلق من الماء بالمخيط من اليم ما هو في الدرجة مثل ما اكتسى من الأعيان الثابتة حلة الوجود لأن اليم محصور يأخذه العدد والتناهي لوجوده والأعيان الثابتة لا نهاية لها وما لا يتناها لا يأخذه حد ولا يحصيه عدد مع صحة المثال بلا شك وهكذا مثل الخضر لموسى بنقر الطائر في البحر بمنقاره وهو على حرف السفينة فقال له الخضر تدري ما يقول هذا الطائر وكان الخضر قد أعطى منطق الطير فكان نقرة كلاما عند الخضر لا علم لموسى بذلك وكان الخضر قد ذكر لموسى ع أنه على علم علمه الله لا يعلمه موسى وموسى على علم علمه الله لا يعلمه خضر مع العلم الكثير الذي كان عند كل واحد منهما فقال ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا بقدر ما نقر هذا الطائر ومعلوم أنه قد حصل شيئا من الماء في نقرة كذلك حصل بما علمه موسى والخضر من العلم شركه مع الله في ذلك القدر فعلمنا من علم الله شيئا مما يعلمه الله فحقق ما حصل لك وما بقي ولم يحصل لك فوقع التشبيه الصحيح من جهة ما حصل لا من جهة ما لم يحصل لأن الذي لم يحصل من اليم متناه والذي لم يحصل من العلم لموسى والخضر غير متناه فلذلك جاء ضرب المثل من جهة ما حصل خاصة فإنا لا نشك في أنه حصل شئ في نفس الأمر إلا أن حصول المعاني في النفوس بأي نوع كان حصولها لا يتصف من حصلت منه ومن كان موصوفا بها أنه نقص منه بقدر ما حصل عند المتعلم منه بل هو عنده كما هو عند من حصل له وإنما لما ظهر ذلك المعنى في محلين كأنه وقع فيه الاشتراك وفي المثال المحسوس ما يؤيد هذا وهو أخذ النور من السراج بالفتائل فتتقد به فتائل لا تتناهى ولا ينتقص منه شئ وإنما حصل ذلك باستعداد القابل أن يقبل واستعداد لمأخوذ منه أن لا يمتنع والسراج سراج على حاله وقد ملأ العالم سرجا كذلك العلم والتعلم فإذا كان المحسوس بهذه السعة وعلى هذه الحقيقة فما ظنك بالمعاني ثم لتعلم إن لنا أحكاما في حضرة الحق تضاف إليها بها من موالاة وعبادة وسؤال وغير ذلك مما لا يحصى كثرة إذا تتبع الإنسان أحوال نفسه مع ربه ولهذا وصف نفسه بأن له أسماء وأخلاقا وهي معلومة عند علماء الرسوم ألفاظها ومعانيها وعند أهل الله الاتصاف بها حتى أطلق عليهم منها