Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 218

Contributors:

P.218
ولا ثناء ولا جزاء إلا عين ما قصده الحق في إيجاد العالم فكما قصد الله بالخلق أن يعبدوه في مثل ما نص عليه من ذلك في قوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله وإن من شئ إلا يسبح بحمده فنوى هذا العبد في إنشاء صور العبادات أن تعبد الله كما أراده الحق وهذا لا يبطل نية الإنعام من هذا العبد على هذه الصور بالإنشاء والإيجاد فإن كان مشهد هذا العبد إن الله هو المنشئ هذه الصور بالعبد لا هو فليس من هذه الحضرة الوهبية الكيانية بل ذلك من الوهب الإلهي على هذه الصورة المنشأة وليس غرضي فيما ذكرناه ما هو الأعلى والأعظم في المنزلة وإنما غرضي تمييز المقامات بعضها من بعض حتى لا يلتبس على القائمين بها فإنها تتداخل الأحكام فيها ولا يشعر لحد الفصل بين الأحوال والمقامات إلا الراسخون في العلم الإلهي فإذا جازاهم الله على ما إنشاؤه إنعاما من الله تعالى عليهم كان جزاء من أشهد أن إنشاء تلك الصور لله لا للعبد المكلف وأن الإنعام لله في ذلك عليها لا إلى المكلف فإنه أعظم جزاء إلهيا من الذي لم يشهده الله ذلك عند إنشائها فقد تميز الشخصان بما وقع لهما به الشهود عند العمل المشروع وهذا عمل لم ينسج على منواله انفردنا بالتنبيه عليه على غاية الكمال من العبد وحررناه تحريرا تاما فإن أحدا من العلماء بالله وبالأشياء ما يجهلون العطاء على جهة الإنعام ولكن مثل ما ذكرناه لا يتصوره ولا يخطر ببال كل عامل إلا من تحقق بهذه الحضرة الواهبة خاصة وهو المسمى عبد الوهاب والوهاب أوجده لا غيره من الأسماء مثل قوله في عيسى ع لمريم ليهب لك غلاما زكيا والصور التي أوجدها الاسم الوهاب قليلة جدا تعلم ذلك إذا علمت مراتب العلماء بالأسماء الإلهية بالعلم بالأسماء الإلهية فاعلم ذلك وهذا القدر من الإيماء إلى علم هذه الحضرة كاف إن شاء الله تعالى والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وهو الهادي إلى طريق مستقيم ( حضرة الأرزاق وهي للاسم الرزاق ) الرزق رزقان محسوس ومعقول * يدري بذلك معقول ومنقول فمنه يقبل ما يعطيه من منح * وذلك الرزق في التحقيق مقبول جل الإله فما تحصى عوارفه * وفي معارفها هدى وتضليل مثل النكاح الذي يحوي على عجب * من التلذذ تلسين وتقبيل قال الله تعالى في قصة مريم كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب وقال ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الرزاق قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون هذا في حق من أطعم من أجله حين سمعه يقول سبحانه في الخبر الصحيح جعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني فيقول العبد كيف تطعم وتشرب وأنت رب العالمين فيقول الحق إن عبدي فلانا جاع وفلانا ظمئ فلو أطمعته حين استطعمك أو سقيته حين استسقاك فذلك معنى قوله تعالى جعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني فأنزل نفسه تعالى منزلة الجائع والعاطش الظمآن من عباده فربما أدى العامل على هذا الحديث الإلهي أن يجهد في تحصيل ما يطعم به مثل هذا حتى يكون ممن أطعم الله تعالى فقال له الله وما أريد أن يطعمون انتقال من مقام إلى مقام لأنه يعلم عباده العلم بالمقامات والأحوال والمنازل في دار التكليف حتى يتنقلون فيها ثم قال إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين والمتانة في المعاني كالكثافة في الأجسام فجاء بالاسم المناسب للرزق لأن الرزق المحسوس به تتغذى الأجسام وتعبل وكلما عبلت زادت أجزاؤها وكثفت وأين السمن من الهزال فما أحسن تعليم الله وتأديبه وتبيانه لمن عقل عن الله واعلم أن الرزق معنوي وحسي أي محسوس ومعقول وهو كل ما بقي به وجود عين المرزوق فهو غذاؤه ورزقه وقوله وفي السماء رزقكم وقال في الأرض وقدر فيها أقواتها وهي الأرزاق وتقديرها بوجهين الوجه الواحد كمياتها والثاني أوقاتها فالرزق الذي في الأرض ما تقوم به الأجسام والذي في السماء ما تقوم به الأرواح وكل ذلك رزق ليصح الافتقار من كل مخلوق وينفرد الحق بالغنى وأرفع المنازل في الأرزاق وشهودها رزق ما يظهر به عين الوجود الحق من صور أحكام