Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 216

Contributors:

P.216
مرآة غيري لأن الله عصمني منه في حال الاختيار والاضطرار فلم أنازع قط وكل مخالفة تبدو مني لمنازع فهي تعليم لا نزاع فإني ما ذقت في نفسي القهر الإلهي قط ولا كان له من هذه الحضرة في حكم قال تعالى وهو القاهر فوق عباده أي قهر عباده لما صدر منهم من النزاع ويرسل عليكم حفظة وهو التوكيل أعني هذا الإرسال في حق قوم وحفظا وعصمة في حق آخرين وهو قوله له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله أي من حيث إن الله أمرهم بحفظه فهم المعصومون المحفوظون وقد يحفظونه من أمر النازل به فيدفعونه كما فعل بالزاني في حين زناه أخرج عنه الايمان حتى صار عليه كالظلة يحفظه من أمر الله النازل به حيث تعرض بالمخالفة لنزول البلاء عليه فيحفظه الايمان من هذا الأمر النازل بأن يتلقاه فيرده عنه لعله يستغفر أو يتوب فإذا كان غير المعصوم يحفظ مثل هذا الحفظ فما ظنك بالمعتنى به فإنه محفوظ في الأصل وأدق ما يكون من الخلاف النزاع الإلهي بإنابة العبد فإذا زال العبد عن إنابته لم يجد القهار من يقف له فيقهره والسهم لا يمشي إلا إلى مرماه واعلم أن الدعاء لا يقتضي المنازعة كما ذهب إليه سهل والفضيل بن عياض حيث أرادا ما أراد الله كما جاء عنهما فإن الدعاء ذلة وافتقار والنزاع رياسة وسلطنة ولولا النزاع القائم بنفوس الرعية الذين لو مكنوا من إرساله لوقع منهم ما أضيف إلى الرعية إنهم مقهورون تحت سلطان مليكهم ومن لم يخطر له شئ من ذلك ولم ينازع فما هو مقهور ولا الملك له بقاهر بل هو به رؤوف رحيم فمن قهر تخلقا من عباد الله فإنما قهر بالله من نازع أمر الله لا بنفسه وما ثم إلا نزاع الشيطان بلمته فيما يلقيه إلى هذا العبد في قلبه منازعة لأمر الله ونهيه هذا قصده بالإلقاء وإن لم يخطر للعبد ذلك فإنه لا يخطر له مثل هذا الكون الايمان يرده ولكن يستدرجه بالمخالفة شيئا بعد شئ إلى أن يكفر فإن المعاصي يريد الكفر ولا تأتي إذا كثرت وترادفت إلا بالكفر فلهذا يسارع بها وينوعها الشيطان فلا يزال المؤمن يقهره بلمة الملك مساعدة للملك على نفسه لينجو فإن المؤمن من يقول لا حول ولا قوة إلا بالله ومن النزاع الخفي الصبر على البلاء إذا لم يرفع إزالته إلى الله كما فعل أيوب ع وقد أثنى الله عليه بالصبر فقال مع ثبوت شكواه إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب فذكره بكثرة الرجوع إليه في كل أمر ينزل به فمن حبس نفسه عند الضر النازل به عن الشكوى إلى الله في رفع ما نزل به وصبر مثل هذا الصبر فقد قاوم القهر الإلهي فإن الله قاهر هذا العبد وإن كان محمودا في الطريق ولكن الشكوى إلى الله أعلى منه وأتم ولهذا قلنا إن الدعاء لا يقدح ولا يقتضي المنازعة بل هو أعلى وأثبت في العبودة من تركه وأما الرضاء والتسليم فهما نزاع خفي لا يشعر به إلا أهل الله فإن كان متعلق الرضاء المقضي به فيحتاج إلى ميزان شرعي وإن كان متعلق الرضاء القضاء فإن كان القضاء يطلب القهر ويجد الراضي ذلك من نفسه فيعلم إن فيه نزاعا خفيا فيبحث عنه حتى يزيله وإن لم ير أن ذلك القضاء يطلب القهر فيعلم أنه الرضاء الخالص الجبلي لأن الرضاء من راض يروض ومنه الرياضة ورضت الدابة وهو الإذلال ولا يوصف به إلا الجموع والجموح نزاع إنما يراض المهر الصغير لجموحه وجهله بما خلق له فإنه خلق للتسخير والركوب والحمل عليه والمهر يأبى ذلك فإنه ما يعلمه فيراض حتى ينقاد في أعنة الحكم الإلهي وكذلك رياضة النفوس لولا ما فيها من الجموح لما راضها صاحبها فإذا خلقت مرتاضة بالأصالة فكان ينبغي أن لا يطلق عليها اسم راضية بل هي مرضية وإنما النفوس الإنسانية لما خلقها الله على الصورة الإلهية شمخت على جميع العالم ممن ليست له هذه الحقيقة وانحجبت عن الحقائق الإلهية التي تستند إليها حقائق العالم حقيقة حقيقة فاكتسبت الرياضة لأجل هذا الشموخ فذلت تحت سلطانه وحمدت على ذلك وكذلك التسليم لم يصح إلا مع التمكن من الجموح وكذلك التوكيل لم يصح إلا بعد الملك فهو نزاع خفي والقهر الإلهي يخفى بخفاء النزاع ويظهر بظهور النزاع والعارف لا يغفل عن نفسه طرفة عين فإنه إذا غفل عن نفسه غفل عن ربه ومن غفل عن ربه نازع بباطنه ما يجده من الأثر فيه مما يخالف غرضه فيجئ القهر الإلهي فيقهره فيكون إذ أكثر منه مثل هذا يسمى عبد القهار وإذا قل منه يسمى عبد القاهر والضابط لهذه الحضرة أن ينظر الإنسان في خفايا موافقاته ومخالفاته فيعلم من ذلك هل لهذه