Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 103

Contributors:

P.103
بالحب الأول فصار حب العبد ربه محفوظا بين حبين إلهيين كلما أراد أو هم أن يخرج عن هذا الوصف بالسلو وجد نفسه محصورا بين حبين إلهيين فلم يجد منفذا فبقي محفوظ العين بين حب عناية ما فيها من فطور وبين حب كرامة ما فيها استدراج والحصر بين أمرين يوجب اضطرارا فذلك حب الفرض وهو العبد المضطر في عبوديته المجبور بما فرض الله عليه لينبهه أنه في قبضة الحق محصور لا انفكاك له ولا نفوذ كما رسمناه في الهامش ولما رأى أن الحق كلفه علم أنه لو لم يعلم الحق في العبد اقتدارا على إتيان ما كلفه به من الأعمال ما كلفه به فكان التكليف له معرفا بأن له مدخلا في الاقتدار على وجود الفعل الذي كلفه الله إيجاده وقرر ذلك عنده بما شرع له من طلب المعونة من الله على ذلك فزاده هذا قوة في علمه بأن له اقتدارا ثم نظر فيما أوجب عليه فرأى ذلك قليلا مما هو عليه من الاتساع فعلم عند ذلك أن الاتساع الذي أبقى له إنما أبقاه لما له من الاقتدار فأراد أن يبتليه ليرى ما يخرج منه في ذلك الاقتدار الذي أعطاه وليس له فيما يخرج فيه ذلك الاقتدار إلا تلك السعة التي أبقى له كما قال إن لك في النهار سبحا طويلا فعمر ذلك الفراغ هذا العبد بالنوافل ولا يكون نافلة حتى يكمل الفرض فحصل بذلك من الله حبان آخر إن حب الفرائض أي الحب الذي حصل له من إتيانه بالفرائض والحب الذي حصل له أيضا من الله من إتيان النوافل وإن كان دون الحب الأول كما هو في الأصل حب الكرامة دون حب العناية فإنه حب جزاء فلا يخلص خلوص الحب الأول كما ورد في الخبر أن الرجل إذا قال لأخيه أحبك فأحبه الآخر فإنه لا يلحقه في درجته في الحب أبدا لأن حب الأول ابتداء وحب الثاني جزاه فلن يكافئه أبدا فإن الحب الأول هو الذي أنتج الحب الثاني فهو منفعل عنه والمنفعل لا يقوي قوة الفاعل أبدا فلما عمر ذلك الفراغ الواسع بالنوافل وجعل الله فيها فرائض لتتأيد بها النوافل في اللحوق بالفرائض ولهذا تسد مسدها وتكمل بها الفرائض بما فيها من الفرائض كما ورد في الخبر الصحيح عن رسول الله ص أن الله يقول في موازنة الأعمال إذا لم يتم العبد فرضه أن يكمل له فريضته من تطوعه إن كان له تطوع وهو النفل فلذلك كان في النفل فروض لأن كل نفل فهو على صورة فرضه من صلاة وصدقة وصيام وحج واعتمار فله الخيار في الإتيان بالنفل ما لم يتلبس به فإذا تلبس به قيل له لا تبطلوا أعمالكم فبالأولية في ذلك كان مختارا وفي التلبس مضطرا عندنا وبخلافه عند علماء الرسوم ومن أو في بما عاهد عليه الله والشروع عهد عهده مع الله بلا شك فيما لم يجب عليه ولهذا قال هل على غيرها قال لا إلا أن تطوع فدخل الاحتمال في هذا الإجمال ولما لم يكن في أداء الفرض رائحة ربوبية توجب له إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل كما هو في النفل كان في الفرض عبد اضطرار بلا شك مجبورا فأدركه الانكسار في نفسه لما كان عليه من العزة في كونه أعطى العلم لله به فجبر الله انكساره بقوله ما يبدل القول لدي فأزال عن نفسه بهذا الخطاب إن شاء وإن شاء وما أبقى له إلا عين ما شاء لا التخيير في ذلك فلما سمع العبد مثل هذا انجبر كسره وعلم إن الله لا يقول مجازا وأن الأمر لما كان في نفسه على هذا ما صح أن يقول مثل هذا القول فزال الانكسار الذي كان عنده وهو قوله تعالى في الخبر المترجم عنه أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي أي أنا كسرت قلوبهم بما أوجبته عليهم وأدخلتهم فيه من الاضطرار وأنزلتهم من معقل عزتهم بذلك فلما انكسروا كان عندهم في هذا الكسر جابرا بما أوجبه على نفسه وما أخبر به أنه ما يبدل القول لديه وأن الكلمة منه حقت وأزال الاختيار بإزالة الإمكان من العالم فلم يبق إلا واجب بنفسه أو واجب بغيره وهما وصفان لموصوف واحد ولموصوفين وليس في الكون إلا الرب والمربوب ثم أعطاه بما خيره فيه في هذا الاتساع من المسمى نفلا حكم الاختبار الإلهي في قوله إن شاء وإن شاء فكساه حلته بل العبد أولى بصفة الاختيار من صفة الاضطرار لأن له التردد بالحقيقة لإمكانه وليس عند الحق ذلك فإذا ظهر مثل هذا من الحق فتعلم إن الحق ظهر