Skip to main content

الفتوحات المكية — Page 101

Contributors:

P.101
الآخر علمنا إن كل واحد من الأمرين المرح تبطين للحب الذي قام لكل واحد منهما في ظهور الأمر الثالث وإنه طالب للأمر الثاني فصح الطلب من كل واحد والحاصل لا يبتغى فلا بد أن يتصفا بالفقد لما يبغيان وجوده والطلب لا يكون إلا بنوع من الإذلال وقال ربكم ادعوني أستجب لكم فطلب الدعاء من عباده وطلب العباد الإجابة منه فالكل طالب ومطلوب وقد قام الدليل أن الحوادث لا تقوم به فلا يستقل بكل طلب في ذاته لأن الطلب من الحادث حادث ويستحيل أن يقوم به مثل هذا الطلب فلا بد من طلب وجود ما يقوم به هذا الطلب الحادث وهو قوله إذا أردناه والطلب إرادة سواء طلبك لنفسه أو طلبك لك على كل حال الحاصل لا يبتغى من الوجه الذي يطلب فإنه من ذلك الوجه ليس بحاصل فلا يصح الوجود أصلا إلا من أصلين الأصل الواحد الاقتدار وهو الذي يلي جانب الحق والأصل الثاني القبول وهو الذي يلي جانب الممكن فلا استقلال لواحد من الأصلين بالوجود ولا بالإيجاد فالأمر المستفيد الوجود ما استفاده إلا من نفسه بقبوله وممن نفذ فيه اقتداره وهو الحق غير أنه لا يقول في نفسه إنه موجد نفسه بل يقول إن الله أوجده والأمر على ما ذكرناه فما أنصف الممكن نفسه وآثر بهذا الوصف ربه فلما علم الله أنه آثر ربه على نفسه بنسبة الإيجاد إليه أعطاه الظهور بصورته جزاء فلا أكمل من العالم لأنه لا أكمل من الحق وما كمل الوجود إلا بظهور الحادث ولما كان الأمر بهذه المثابة في التوقف وعدم الاستقلال من الطرفين نبه الحق على ذلك بقوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي وهو أيضا أعني التقسيم موجود في استخلاف العبد وفي وكالة الحق فيما هو فيه العبد مستخلف فاستقل الوجود وكمل بالحادث ولما كان الحق غيورا أن يذكر معه سواه تجلى للعالم في صور المحدثات وعلموه فيها أعلاما منه للعالم إنه غني عن العالمين بما رأيتموه في ذاته من ظهوره بالتجلي في صور المحدثات فسواء ظهوركم وعدمكم يقول للممكن فعند ذلك ذل الممكن بالفعل في نفسه فوقع منه ما خلقه الله له وزال عنه عز الاستعداد بالقبول في الإيجاد إذا رأى أعيان الصور التي تكون عن قبولها واقتدار الحق قد ظهر الحق بها فلم تكن الحاجة إلى الممكنات في قبولها والأمر قد حصل وصح قوله والله غني عن العالمين ولقد برقت لي بارقة إلهية عند تقييدي هذه المسألة رأيت فيها ما شاء الله من العلوم كما ضرب النبي ص بالمعول الحجر الذي تعرض لهم في الخندق فبرقت في الضربة منه بارقة رأى بها ما فتح الله على أمته حتى رأى قصور بصري كأنياب الفيلة رأى ذلك في ثلاث ضربات في كل ضربة بارقة تبدي له جهة مخصوصة هذا رأيته عند تقييدي هذا الباب وراثة نبوية بحمد الله ورأيت فيها وبها وإن ظهر بصور الممكنات واتصف بالغنى فإن ذلك لا يخرجه عن عدم الاستقلال في وجود الحادث به إذ لا بد من قبوله وفيه وقع الكلام هذا مما أعطتنيه تلك البارقة وإنه تعالى لما خلقهم لعبادته كساهم صفته وهي التي بها طلبهم فعبدوه بها إذ لا يصح أن يعبدوه بأنفسهم على جهة الاستقلال ولهذا شرع لهم أن يقولوا بعد قولهم إياك نعبد وإياك نستعين لعدم الاستقلال في العبادة فألقت عندهم الطلب في المعونة على عبادته كما كان القبول منهم معونة للاقتدار الإلهي في الخلق ولولا هذا الارتباط ما صحت عبادة ولا إيجاد فالإيجاد عبادة وهو لله والعبادة إيجاد وهي المطلوبة من الخلق فهم العابدون وهو المعبود وهو الموجد وهم الموجودون فلام العلة ذاتية من الجانبين واسمها في الشرع حكمة وسبب فإنه حكيم ففي كل شئ له حكمة ظاهرة يعلمها أهل الكشف والوجود في كل شئ ويعلمها أهل الرسوم في التكليفات التي لا تعلم إلا من جهة الشرع فحكمتها لا تعلم إلا من جهة الشرع كقوله ولكم في القصاص حياة وأما القول بالعلة في التكليف من جهة الحق فمظنونة غير معلومة ولكن فتح لهم باب الاستنباط بما ذكره لهم في الوحي المنزل من التعليل فمنه جلي ومنه خفي كذلك له في الأشياء حكمة باطنة لا يعلمها إلا هو ومن أعلمه الله بها ولذلك قال الجن وهو ما استتر فلا يعلم إلا منه والإنس وهو ما ظهر فيعلم بذاته حيث ظهر وإلا ليعبدون إثبات السبب الموجب للخلق فهذه لام الحكمة والسبب شرعا ولام العلة عقلا والعبادة ذاتية للمخلوق لا يحتاج فيها إلى تكليف فلا بد أن يكون الخالق عين كل صورة يعبدها المخلوق مع افتقار الصورة إلى المادة وإنه إذا لم يكن الأمر هكذا فلا تكن العبادة من المخلوق ذاتية فإنه إذا اقتصرنا على مسمى الله في العرف عبد المخلوق غير الله فإنا نرى الأكثر من العالم ما يفتقرون