تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
قال أبو بكر : وليس الدليل موجبا للمدلول عليه ، ولا سببا لوجوده ، وكما أن دليل القوم الذي يهديهم ويرشدهم إلى الطريق ، ليس هو سببا لوجود الموضع المقصود الذي يوصل إلى علمه بدلالته ، وإنما هو سبب للوصول إلى العلم به . وأما العلة ، فهي المعنى الذي عند حدوثه يحدث الحكم ، فيكون وجود الحكم متعلقا بوجودها ، ومتى لم تكن العلة لم يكن الحكم ، هذه قضية صحيحة في العقليات ، وأصله في العلة التي هي المرض ، لما كان بحدوثها يتغير حال المريض ، سميت المعاني التي تحدث بحدوثها الأحكام العقلية عللا ، لان حدوثها يوجب حدوث أوصاف وأحكام ، لولاها لم تكن . نحو قولنا : حدوث السواد في الجسم علة لاستحقاق الوصف بأنه أسود ، وحدوث الحركة فيه علة لكونه متحركا . ونقول في الدليل : إن استحالة تعري الجسم من الحوادث دلالة على حدوثه ، وليس هو علة لحدوثه ، فإن الحدث دلالة على محدثه ، ولا نقول : إنها علة لمحدثه . فبان بما وصفنا الفرق بين الدليل والعلة . وإن الدليل إنما حظه إيصال الناظر فيه والمتأمل له إلى العلم بالمدلول ، ولا تأثير له في نفس المدلول . وإن العلة سبب لوجود ما هو عليه ، ولولاها لم يوجد على الحد الذي بيناه . فقد تسمى العلة دليلا على ما هي ( علة ) له ، من حيث كان تأملها موصلا إلى العلم بما هو علة له ، فيحصل من هذا أن كل علة دليل ، وليس كل دليل علة . والاستدلال : هو طلب الدلالة والنظر فيها ، للوصول إلى العلم بالمدلول . ( والقياس : أن يحكم للشئ على نظيره المشارك له في علته الموجبة لحكمه ) . والاستدلال على ضربين :