فيقولون : يا دليل المتحيرين ، يا هادي المضلين ، وقال الله عز وجل : " وإن الله لهادي
الذين آمنوا إلى صراط مستقيم " ، يعني يدلهم عليه ، ويقول الناس : إن الله تعالى قد دلنا
على نفسه بآثار صنعته . فيقيدون اسم الدليل في هذه المواضع ، إذا وصفوا الله تعالى .
والمراد ( به ) . المنجي والمبين ، ونحو ذلك .
والأول أظهر وأبين ، لان إطلاق لفظ الدليل موجود فيه من غير تقييد ، وقد يقول
الناس للاعلام المنصوبة لمعرفة الطريق - نحو الأميال المبنية في البادية - : إنها دلائل على
الطريق . ولا يسمون الذي بناها هناك دليلا ، وإنما يسمون ما يستدل به المتأمل لها دليلا ،
دون الواضع لها .
ويدل على ( صحة ) ما ذكرنا : أن المستدل يقول : الدليل على صحة قولي : كيت
وكيت ، وهو يريد به الدلالة ، والاعلام المنصوبة للاستدلال بها ، ويقول السائل للمجيب :
ما الدليل على صحة قولك ؟ ولا يجوز أن تقول : من الدليل على صحة قولك ؟ فثبت بما
وصفنا : أن الدليل هو الذي يوصل المتأمل له والناظر فيه إلى العلم بالمدلول .
ومن الناس من يزعم : أن الدليل هو علمك بالشئ ووجودك له ، قال : لأنه إذا قيل
له : ما الدليل على كذا ؟ جاز أن يقال علمي بكذا ، ووجودي لكذا .
قال أبو بكر : وليس فيما ذكرنا من وصف الدليل شئ أبعد من هذا ، ولا أضعف ،
لان قائلا لو قال : ما الدليل على حدث الأجسام ؟ لم يصح ( أن يقول ) : علمي بأنها لا
تنفك من الحوادث . بل يقول : الدليل على حدثها أنها لا تنفك من الحوادث .
ويوجب هذا أيضا أن تكون المحسوسات معلومة من جهة الدليل ، لعلمنا بها
ووجودنا إياها ، والعلم عند ( هذا ) القائل هو الدليل .
الفصول في الأصول — صفحة 8
مساهمون: الجصاص
ص٨