فإن قال قائل : إن كان القياس حقا فغير جائز تركه في حال ، قال الله تعالى : " فماذا
بعد الحق إلا الضلال .
قيل له : هو حق في المواضع التي لم تقم الدلالة على منعه ، غير حق في موضع قد
قامت الدلالة فيه على منعه .
كما أن استعمال العموم حق في الموضع الذي لم تقم الدلالة على تخصيصه ، غير حق
في موضع قد قامت فيه الدلالة على تخصيصه ، والمنع من استعمال حكمه . والله الموفق
للصواب .
فإن قال قائل : لو لم يكن وجود العلة مع عدم الحكم قاضيا بفسادها ، لما استدرك
على أحد مناقضة في علة يعتل بها ، لأنه يقول : إنما خصصتها لقيام الدلالة عليها .
قيل له : ليس شرط المناقضة في علل الشرع وجود العلة مع عدم الحكم ، وهو الموضع
الذي فيه الخلاف بيننا وبينكم ، فليس لك الاعتراض به مع خلافنا إياك في أنه مناقضة ،
وليس بمناقضة .
وإنما يكون مناقضا عندنا إذا لم تقم الدلالة في الأصل على صحة العلة ، ويدعى
أن العلة كيت وكيت ، ثم توجده ( بعد ذلك ) غير موجبة للحكم .
فأما إذا قامت الدلالة في الأصل على صحتها لم يمتنع أن توجد بعد ذلك ، غير
موجبة للحكم فيما قامت الدلالة على تخصيصه ، ويكون المعتل بها ( مناقضا مخطئا ) من
وجه آخر ، وهو أن تقوم الدلالة على صحة العلة في الأصل ، فيترك حكمها من غير دلالة
صحيحة توجب تخصيصها ، فيكون ذلك مناقضة ، وتكون العلة صحيحة ، والمعتل مناقض
الفصول في الأصول — صفحة 269
مساهمون: الجصاص
ص٢٦٩