تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفصول في الأصول — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
القياس فإنما عنى به إلحاقه بأصل آخر وقياسه عليه ، دون الحلف بدخول الدار ، فسمي الاستحسان قياسا في هذا الوجه ، وهو لعمري كذلك فيما بيناه . ومن نظيره أيضا : المشي في الصلاة أنه معلوم أن القليل منه معفو عنه غير مفسد لها . ألا ترى : أن أبا بكرة ركع دون الصف ثم مشى حتى صار في الصف فقال ( له ) النبي صلى الله عليه وسلم : ( زادك الله حرصا ولا تعد ) ، ولم يأمره باستئناف الصلاة . وروي عن ابن عباس ( أنه قام عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فأداره إلى يمينه ) ولم يأمره باستئنافها . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ( كان يصلي فمرت بهيمة فتقدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى لصق بالحائط فمرت البهيمة خلفه ) ، فكان المشي اليسير معفو عنه . ومعلوم ( مع ذلك ) : أنه لو مشى في صلاته ميلا أو نحوه فسدت صلاته ، ولو جعل كل خطوة منها بحكم نظيرها مما لا تقدم ، لوجب أن لا تفسد صلاته ، وإن مشى ميلا قياسا على المشي اليسير ، إلا أنه لما كان هنا أصل آخر قد اتفق المسلمون عليه ، وهو المشي الكثير الذي ليس من عمل الصلاة ، أنه يفسدها ، جعلوا المشي ما دام في المسجد ولم يستدبر القبلة في حكم الخطوة والسير ، وأفسدوا الصلاة بالخروج من المسجد ، لان ذلك يشبه سائر الأفعال التي ليست من الصلاة . ومن نظائر ذلك : مسألة يشنع بها المخالفون على أصحابنا ، حين قالوا في قوم نقبوا بيتا ودخلوه وسرقوا متاعا ولي بعضهم إخراجه دون الباقين : إن القياس أن يقطع الذي ولي إخراجه دون من سواه ، ولكنا نستحسن فنقطعهم جميعا . فيشنعوا عليهم حين استحسنوا إيجاب القطع ، وتركوا القياس فيه ، ومن شأن الحدود درؤها بالشبهات . وذهب عليهم : أنه لا شبهة في الحد مع قيام الدلالة على إيجابه .
الفصول في الأصول — صفحة 238 | الجصاص / عجيل جاسم النمشي