بقاء الفرض عليه حتى ينقلنا عنه دليل . فكذلك يقال لمن أجاز بيع أم الولد بالإجماع المتقدم
في جواز بيعها قبل الاستيلاء : إنا قد أجمعنا أنها في حال الحمل لا يجوز بيعها ، فلا نزول عن
ذلك الإجماع بعد الولادة ، حتى ينقلنا عنه دليل ، وهذا أيضا قول من يقول : إن النافي ليس
عليه دليل ، فنقول له : فأقم الدليل على صحة اعتقادك للنفي ، لأن اعتقادك لنفي
الحكم : هو إثبات حكم . فمن أين ثبت هذا الاعتقاد ؟ فإنك لا تأبى من إيجاب ( 1 )
( الدليل ) ( 2 ) على المثبت . وأنت مثبت للحكم من الوجه الذي ذكرنا ، كذلك نقول للقائل :
بأنا على الإجماع الأول : إنك قد أثبت حكما لغير الإجماع بعد وقوع الخلاف ، فهلم الدلالة
عليه ، إلى أن نرجع إلى قول من يقول : لا دليل على النافي فيلزمك ما ألزمناه ، وما سنبينه
فيما بعد : من فساد قول القائلين بهذه المقالة .
فإن قال قائل : لما كانت الحال الأولى يقينا ، لم يجز لنا بعد حدوث الحادثة : أن نزول
عنها بالشك ، لأن الشك لا يزيل اليقين ( فوجب البقاء على الحال الأولى .
قيل له : اليقين غير موجود بعد وجود الشك ) ( 3 ) فقولك لا يزول اليقين بالشك خطأ ،
وعلى أن الله قد حكم في مواضع كثيرة بزوال حكم قد علمناه يقينا بغير يقين ، قال الله
تعالى : ( فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) ( 4 ) وقد كان كفرهن يقينا ،
فأزاله ظهور الإسلام منهن من غير حصول اليقين بزواله ، لأن إظهارهن الإيمان ليس بيقين
أنهن كذلك في الحقيقة .
وقد قال تعالى في قصة المتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك : ( وآخرون
اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ) ( 5 ) إلى آخر الآية ، فحكم بقبول ( 6 ) توبتهم ، وإزالة
حكم الذنب الذي قد تيقن وجوده منهم من غير يقين منا بحقيقتها ، إلا ما أظهروا من
التوبة ، ثم قال تعالى : في قوم آخرين : ( سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا
الفصول في الأصول — صفحة 355
مساهمون: الجصاص
ص٣٥٥