الاتفاق ، أو لدليل غيره ، ( 1 ) فإن كان الحكم إنما ثبت قبل حدوث المعنى الذي كان الخلاف
من أجله للإجماع الواقع عليه ولا إجماع فيه بعد حدوث المعنى ، فمن أين أثبته ؟
وقوله : ونحن على ما كنا عليه من الإجماع خطأ ، لأن ذلك الإجماع غير موجود .
فيقال فيه : نحن على ما كنا عليه ، لأن الذي كنا عليه قد زال ، فإن بنيت ( 2 ) موضع
الخلاف على الإجماع المنصوص ، فأرنا وجه بنائه ، مقرونا بدلالة توجب صحته .
فإن قال : إنما حكمت بدءا في حال ما وقع الإجماع ، بدلالة غير الإجماع ، وهي موجودة
في موضع الخلاف .
قيل له : فأظهر تلك الدلالة حتى تنورها ، فإن كانت موجبة له بعد وقوع الخلاف
كإيجابها له ( قبله ) ( 3 ) حكمنا له ( بحكمه ) ، ( 4 ) وإلا فقد أخليت قولك من دليل يعضده ،
وحصلت فيه على دعوى مجردة .
وعلى أن أكثر المسائل من هذا الضرب يمكن عكسها على القائل بها في الوجه الذي
يحتج به ، فيلزمه بها ضد موجب حكمها الذي رام إثباته . فلا يمكنه الانفصال منها . نحو
قوله في الماء بعد حلول النجاسة ( فيه ) ( 5 ) : إنه على أصل طهارته ، لإجماعنا على أنه كان طاهرا
قبل حلولها فيه ، فنحن على ذلك الإجماع ، حتى ينقلنا عنه دليل ، فنقلب عليه ، هذا في
المحدث إذا توضأ بهذا الماء ، أنه قد أجمعنا قبل طهارته بهذا أنه غير جائز له الدخول في
الصلاة إلا بطهارة صحيحة ، واختلفنا بعد استعماله له ، هل صح له الدخول في الصلاة أم
لا ؟ فنحن على ما كنا عليه من الإجماع في بقاء الحدث وامتناع دخوله في الصلاة ، حتى تقوم
الدلالة على زوال حدثه .
وكذلك المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة ، فقد اتفقنا : ( على ) ( 6 ) أن فرضه لم يسقط
بالدخول في الصلاة ، واختلفنا إذا بنى عليها بعد وجود الماء ، فنحن على ما كنا عليه في ( 7 )
الفصول في الأصول — صفحة 354
مساهمون: الجصاص
ص٣٥٤