خبر يضاده حجة للعقل فهو فاسد غير مقبول . وحجة العقل ثابتة صحيحة ، إلا أن يكون
الخبر محتملا لوجه لا يخالف به أحكام العقول ، فيكون محمولا على ذلك الوجه .
قال أبو بكر رحمه الله : قد حكيت جملة ما ذكره عيسى في هذا المعنى ، وهو عندي
مذهب أصحابنا ، وعليه تدل أصولهم ، وإنما قصد عيسى رحمه الله فيما ذكره إلى بيان حكم
الأخبار الواردة في الحظر ، أو الإيجاب ، أو في الإباحة ، ما قد ثبت حظره بالأصول التي
ذكرها ، أو حظر ما ثبت إباحته ، مما كان هذا وصفه ، فحكمه جار على المنهاج الذي ذكرناه
في القبول ، أو الرد .
وأما الأخبار الواردة في تبقية الشئ على إباحة الأصل ، أو نفي حكم لم يكن واجبا في
الأصل ، أو في استحباب فعل ، أو تفضيل بعض القرب على بعض ، فإن هذا عندنا خارج
عن الاعتبار الذي قدمنا ، وذلك لأنه ليس على النبي عليه السلام بيان كل شئ مباح ، ولا
توقيف الناس عليه بنص يذكره ، بل جائز له ترك الناس فيه على ما كان عليه حال الشئ
من الإباحة قبل ورود الشرع .
وكذلك ليس عليه تبيين منازل القرب ومراتبها بعد إقامة الدلالة لنا على كونها قربا ،
كما أنه ليس عليه أن يبين لنا مقادير ثواب الأعمال ، فلذلك جاز ورود خبر خاص فيما كان
هذا وصفه ، وتوقيفه بعض الناس عليه دون جماعتهم ، حسب ما يتفق من سؤال السائل
عنه ، أو وجود سبب يوجب ذكره ، فيعرفه خواص من الناس ، وينقلوه دون كافتهم . ومن
نحو ما قلنا في ورود خبر خاص فيما تركوا فيه على الأصل : حديث نفي الوضوء من كل ما لا
يوجب حدوثه الوضوء ، من نحو خروج اللبن ، والدمع ، والعرق ، من بدن الإنسان .
وأما الوضوء من مس الذكر فلو كان ثابتا ، لكان من النبي عليه السلام توقيف الكافة
عليه ، لعلمه بأنهم كانوا متفقين في الأصل على نفي الوضوء منه . فإذا أحدث لهم هذا
الحكم وجب إعلامهم إياه ، لئلا يقدموا على الصلاة بغير وضوء ، كما وقف على الوضوء
من البول والغائط .
وكذلك خبر ( ترك الوضوء مما مست النار ) . وليس يجب أن يكون من جهة العامة
للعلة التي وصفنا . وإيجاب الوضوء من هذه الأشياء حكمه أن يرد بالنقل المتواتر لما بينا .
ومن نظائر ما ذكرناه في الأمور المستحبة ، وتفضيل الأعمال بعضها على بعض مما لا
الفصول في الأصول — صفحة 122
مساهمون: الجصاص
ص١٢٢