السبب لا من آثار ضده ، فنقول حينئذ : الأصل عدم وجود السبب ما
لم يدل دليل شرعي على وجوده .
وبالجملة : البقاء على الحالة السابقة على هذا البيع مستند إلى عدم
السبب الشرعي ، فإذا شك فيه بني على البقاء وعدم وجود المسبب ، ما
لم يدل دليل على كون الموجود المردد بين السبب وغيره هو السبب ،
فإذن لا منافاة بين الحكم بترتب الآثار المترتبة على البيع الصادر عن
غير بالغ ، وترتب الآثار المترتبة على البيع الصادر عن بالغ ، لأن الثاني
يقتضي انتقال المال عن البائع ، والأول لا يقتضيه ، لا أنه يقتضي
عدمه ( 1 ) .
هامش
( 1 ) لم ترد " فإن أريد بالصحة في قولهم - إلى - يقتضي عدمه " في ( ظ ) ، وورد
بدلها ما يلي : " وإن جعلناه من الأصول التعبدية ، فإن استفدنا من أدلتها إثبات
مجرد صفة الصحة للفعل المشكوك ، فهي معارضة لأصالة الفساد ، لأنها تحقق
عدم ترتب الأثر . لكن الشك في الفساد لما كان مسببا دائما عن الشك في
تحقق سبب الصحة ، أو أمر خارجي له دخل فيها ، كان أصالة عدم السبب أو
عدم ذلك الأمر حاكمة على أصالة الصحة ، لأنها مزيلة للشك في مجراها .
هذا بحسب ملاحظة أصالتي الصحة والفساد ، إلا أن دليل أصالة الصحة لما
كان أخص من دليل أصالة الفساد - أعني الاستصحاب - وكان اللازم من العمل
بعموم الاستصحاب مع الشك في الفساد إلغاء دليل أصالة الصحة رأسا تعين
تخصيص عموم الاستصحاب بدليل أصالة الصحة .
وإن استفدنا من أدلتها إثبات الفعل الموصوف بالصحة ، بأن جعلناها من
الأصول الموضوعية ومن مشخصات الفعل المشكوك في وقوعه على وجه يحكم
عليه بالصحة ، فهي بالنسبة إلى أصالة الفساد - إذا كان الشك من جهة الشك في
تحقق سبب الصحة - حاكمة مزيلة ، كما إذا شككنا في كون العقد الواقع عربيا أو
فارسيا أو بصيغة الماضي أو العقد الواقع على النقدين من دون تقابض بيعا حتى
يفسد أو صلحا حتى يصح ، فإن المقتضي للحكم بعدم تحقق الأثر وهو أصالة
عدم تحقق سبب الصحة وهو العقد العربي بصيغة الماضي أو الصلح ، والشك في
ذلك كله مسبب عن الشك في كون السبب الواقع سببا أو لا ؟ ، فإذا حكم
الشارع بكونه سببا فقد ارتفع الشك في تحقق الأثر وتحقق سببه ، وأصالة عدم
تحقق سببه وأصالة عدم تحقق السبب لا يقتضي عدم كون هذا العقد سببا ولا
كونه واقعا على وجه الفساد .
وأما إذا كان الشك في شرط من شروط صحة العمل كبلوغ العاقد ورؤية
المبيع ونحو ذلك ، فقد يتوهم : حكومة أصالة عدم الشرط على أصالة الحمل
على الصحيح ، لأن الشك في كون الواقع هو الفرد الصحيح مسبب عن الشك في
تحقق الشرط ، فإذا أحرز عدمه بالأصل ترتب عليه كون الفعل فاسدا .
ويندفع : بأن أصالة عدم البلوغ لا يثبت كون الواقع هو الفرد الفاسد ، حتى
يتبين مجرى أصالة الصحة أعني الشك في كون الواقع هو الفرد الصحيح أو
الفاسد ، وإنما يثبت كون الواقع فاسدا ، وهذا ليس مجرى أصالة الصحة ، وإنما هو
الأثر المترتب على حكم الشارع في مجراها ، لوجوب حمل الفعل المشكوك على
فرده الصحيح ، فكل منهما أصل موضوعي مجراه الموضوع الخارجي ، وهو بلوغ
العاقد أو عدمه ، والمترتب على الأول كون العقد فاسدا ، والمترتب على الثاني
كون العقد صحيحا ، فيتعارضان . والموضوع الخارجي الثاني وإن كان الشك فيه
مسببا عن الشك في الموضوع الأول ، إلا أن خلافه ليس مما يترتب بنفسه على
إجراء الأصل في الأول نظير نجاسة الثوب المغسول بالماء المستصحب الطهارة
المترتب خلافها على استصحاب طهارة الماء ، إلا أن إجراء الأصل في السبب
لا يبين مجرى الأصل الثاني ، لأنه من الموضوعات الخارجية الغير المترتبة
بأنفسها على استصحاب أسبابها . والأصل في السبب إنما يقدم على الأصل
الخارجي في المسبب إذا كان المسبب بنفسه من مجعولات الشارع ، كنجاسة الثوب
المغسول بالماء المستصحب الطهارة ، فإن استعمال طهارة الماء مبين لعدم نجاسة
الثوب المستصحبة في نفسها .
نعم ، لو قلنا بالأصل المثبت كانت أصالة عدم البلوغ مبينة لكون العقد هو
الفرد الفاسد .
وبالجملة : ففي المقام أصلان موضوعان رتب الشارع عليهما أثرين متنافيين
وهما كون العقد الواقع صحيحا فاسدا ، وستعرف أن مقتضى القاعدة في تعارض
الأصلين التعبديين التساقط ، فاللازم في المقام الرجوع إلى أصالة عدم ترتب
الأثر ، فحينئذ يختص أصالة الصحة بما إذا كان الشك في تحقق أصل السبب من
جهة دوران الفعل الواقع بين السبب وغيره ، كما تقدم إلا أن يثبت إجماع مركب
بين الشك في نفس السبب والشك في الشرط ، أو يقال تخصيص القاعدة بما عدا
الشك في الشروط يوجب قلة فائدتها ، أو يقال إن المثبت مقدم على الثاني .
وكيف كان ، فدفع التنافي بين الأصلين وإثبات حكومة أحدهما على الآخر في
غاية الإشكال . والله العالم " .
- وقد وردت في ( ت ) زيادة كتب عليها : " خ ل زائد " ، وهي ما يلي :
" لأنه إذا شك في بلوغ البائع فالشك في كون الواقع البيع الصحيح بمعنى كونه
بحيث يترتب عليه الأثر شك في كون البيع صادرا من بالغ أو غيره ، هذا
مرجعه إلى الشك في بلوغ البائع . فالشك في كون البيع الصادر من شخص
صادرا من بالغ الذي هو مجرى أصالة الصحة ، والشك في بلوغ الشخص الصادر
منه العقد الذي هو مجرى الاستصحاب ، مرجعهما إلى أمر واحد ، وليس الأول
مسببا عن الثاني ، فإن الشك في المقيد باعتبار القيد شك في القيد . فمقتضى
الاستصحاب ترتب أحكام العقد الصادر من غير بالغ ، ومقتضى هذا الأصل
ترتب حكم الصادر من بالغ ، فكما أن الأصل معين ظاهري للموضوع وطريق
جعلي إليه ، فكذلك استصحاب عدم البلوغ طريق ظاهري للموضوع ، فإن
أحكام العقد الصادر من غير البالغ لا يترتب عند الشك في البلوغ إلا بواسطة
ثبوت موضوعها بحكم الاستصحاب .
نعم ، لو قيل بتقديم المثبت على النافي عند تعارض الأصلين تعين ترجيح
أصالة الصحة لكنه محل تأمل .
ويمكن أن يقال هنا : إن أصالة عدم البلوغ توجب الفساد لا من حيث
الحكم شرعا بصدور العقد من غير بالغ ، بل من حيث الحكم بعدم صدور عقد
من بالغ ، فإن بقاء الآثار السابقة مستند إلى عدم السبب الشرعي لا إلى عدم
السببية شرعا فيما وقع .
نعم ، لما كان المفروض انحصار الواقع فيما حكم شرعا بعدم سببية تحقق
البقاء ، فعدم سببية هذا العقد للأثر الذي هو مقتضى الاستصحاب لا يترتب
عليه عدم الأثر ، وإنما يترتب على عدم وقوع السبب المقارن لهذا العقد ، فلا أثر
لأصالة عدم البلوغ المقتضية لعدم سببية العقد المذكور حتى يعارض أصالة
الصحة المقتضية لسببيته ، وأصالة الصحة تثبت تحقق العقد الصادر من بالغ ، ولا
معارضة في الظاهر بين عدم سببية هذا العقد الذي هو مقتضى الاستصحاب ،
وبين وقوع العقد الصادر عن بالغ الذي يقتضيه أصالة الصحة ، لأن وجود
السبب ظاهرا لا يعارضه عدم سببية شئ وإن امتنع اجتماعهما في الواقع من
حيث إن الصادر شئ واحد .
لكن يدفع هذا : أن مقتضى أصالة الصحة ليس وقوع فعل صحيح في
الواقع ، بل يقتضي كون الواقع هو الفرد الصحيح . فإذا فرض نفي السببية عن
هذا الواقع بحكم الاستصحاب حصل التنافي .
وإن قيل : إن الاستصحاب لا يقتضي نفي السببية ، لأن السببية ليست من
المجعولات بل يثبت بقاء الآثار السابقة .
قلنا : كذلك أصالة الصحة لا تثبت وقوع السبب وإنما تثبت حدوث آثار
السبب .
وكيف كان ، فدفع التنافي بين الأصلين وإثبات حكومة أحدهما على الآخر في
غاية الإشكال " .