ولو أوصى بنقله إلى غير هذه الأماكن الفاضلة لا تنفذ وصيته لما في ذلك
من تأخير دفنه وتعرضه للتغير .
ويحرم كذلك نقله من القبر إلا لغرض صحيح ، كأن دفن من غير غسل ،
أو إلى غير القبلة ، أو لحق القبر سيل أو ندوة .
قال في المنهاج : ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضرورة ، كأن دفن
بلا غسل أو في أرض ، أو ثوب مغصوبين ، أو وقع مال ، أو دفن لغير القبلة .
وعند المالكية : يجوز نقله من مكان إلى مكان آخر ، قبل الدفن وبعده
لمصلحة ، كأن يخاف عليه أن يغرقه البحر أو يأكله السبع ، أو لزيارة أهله له ،
أو لدفنه بينهم ، أو رجاء بركته للمكان المنقول إليه ونحو ذلك . فالنقل حينئذ
جائز ما لم تنتهك حرمة الميت بانفجاره أو تغيره أو كسر عظمه .
وعند الأحناف : يكره النقل من بلد إلى بلد ، ويستحب أن يدفن كل في
مقبرة البلد التي مات بها ، ولا بأس بنقله قبل الدفن نحو ميل أو ميلين لان المسافة
إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار ، ويحرم النقل بعد الدفن إلا لعذر كما تقدم . ولو
مات ابن لامرأة ودفن في غير بلدها وهي غائبة ولم تصبر ، وأرادت نقله ،
لا تجاب إلى ذلك .
وقالت الحنابلة : يستحب دفن الشهيد حيث قتل . قال أحمد : أما القتلى ،
فعلى حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ادفنوا القتلى في مصارعهم "
وروى ابن ماجة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمر بقتلى أحد أن
يردوا إلى مصارعهم . فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلد إلى بلد آخر إلا لغرض
صحيح ، وهذا مذهب الأوزاعي وابن المنذر . قال عبد الله بن ملكيه : توفي
عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبش فحمل إلى مكة فدفن ، فلما قدمت عائشة
أتت قبره . ثم قالت : والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت ، ولو
شهدتك ما زرتك . لان ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغير ، فأما إن كان فيه
غرض صحيح جاز .
قال أحمد : ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا .
وسئل الزهري عن ذلك ؟ فقال : قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد
من العقيق إلى المدينة .