ولاية القضاء ، وامتنع الناس عن إفتائه ، ونسبت إليه البدعة فابتسم البلقيني
ووافقه على ذلك .
وبالعكوف على التقليد ، وفقد الهداية بالكتاب والسنة ، والقول بانسداد
باب الاجتهاد وقعت الأمة في شر وبلاء ودخلت في جحر الضب الذي حذرها
رسول الله صلى الله عليه وسلم .
كان من آثار ذلك أن اختلف الأمة شيعا وأحزابا ، حتى إنهم اختلفوا في
حكم تزوج الحنفية بالشافعي ، فقال بعضهم : لا يصح ، لأنها تشك ( 1 ) في
إيمانها ، وقال آخرون ، يصح قياسا على الذمية ، كما كان من آثار ذلك انتشار
البدع ، واختفاء معالم السنن ، وخمود الحركة العقلية ، ووقف النشاط الفكري ) ،
وضياع الاستقلال العلمي ، الامر الذي أدى إلى ضعف شخصية الأمة ،
وأفقدها الحياة المنتجة ، وقعد بها عن السير والنهوض ، ووجد الدخلاء بذلك
ثغرات ينفذون منها إلى صميم الاسلام .
مرت السنون ، وانقضت القرون ، وفي كل حين يبعث الله لهذه الأمة من
يجدد لها دينها ، ويوقظها من سباتها ، ويوجهها الوجهة الصالحة ، إلا أنها
لا تكاد تستيقظ حتى تعود إلى ما كانت عليه ، أو أشد مما كانت .
وأخيرا انتهى الامر بالتشريع الاسلامي ، الذي نظم الله به حياة الناس
جميعا ، وجعله سلاحا لمعاشهم ومعادهم ، إلى دركة لم يسبق لها مثيل ، ونزل إلى
هوة سحيقة ، وأصبح الاشتغال به مفسدة للعقل والقلب ، ومضيعة للزمن ،
لا يفيد في دين الله ، ولا ينظم من حياة الناس .
وهذا مثال لما كتبه بعض الفقهاء المتأخرين : عرف ابن عرفة الإجارة
فقال ، بيع منفعة ما أمكن نقله ، غير سفينة ولا حيوان ، لا يعقل بعوض غير
ناشئ عنها ، بعضه يتبعض بتبعيضها . فاعترض عليه أحد تلاميذه ، بأن كلمة
بعض تنافي الاختصار ، وأنه لا ضرورة لذكرها ، فتوقف الشيخ يومين ،
ثم أجاب بما لا طائل تحته .
هامش
( 1 ) لان الشافعية يجوزون أن يقول المسلم : أنا مؤمن إن شاء الله .