فلما جاء أئمة المذاهب الأربعة تبعوا سنن من قبلهم ، إلا أن بعضهم كان
أقرب إلى السنة ، كالحجازيين الذين كثر فيهم حملة السنة ورواة الآثار ،
والبعض الاخر كان أقرب إلى الرأي كالعراقيين الذين قل فيهم حفظة الحديث )
لتنائي ديارهم عن منزل الوحي .
بذل هؤلاء الأئمة أقصى ما في وسعهم في تعريف الناس بهذا الدين وهدايتهم
به ، وكانوا ينهون عن تقليدهم ويقولون : لا يجوز لاحد أن يقول قولنا من
غير أن يعرف دليلنا ، صرحوا أن مذهبهم هو الحديث الصحيح ، لأنهم لم يكونوا
يقصدون أن يقلدوا كالمعصوم صلى الله عليه وسلم ، بل كان كل
قصدهم أن يعينوا الناس على فهم أحكام الله .
إلا أن الناس بعدهم قد فترت هممهم ، وضعفت عزائمهم وتحركت فيهم
غريزة المحاكاة والتقليد ، فاكتفى كل جماعة منهم بمذهب معين ينظر فيه ،
ويعول عليه ، ويتعصب له ، ويبذل كل ما أوتي من قوة في نصرته ، وينزل
قول إمامه منزلة قول الشارع ، ولا يستجيز لنفسه أن يفتي في مسألة بما يخالف
ما استنبطه إمامه ، وقد بلغ الغلو في الثقة بهؤلاء الأئمة حتى قال الكرخي : كل
آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا فهو مؤول أو منسوخ .
وبالتقليد والتعصب للمذاهب فقدت الأمة الهداية بالكتابة والسنة ، وحدث
القول بانسداد باب الاجتهاد ، وصارت الشريعة هي أقوال الفقهاء ، وأقوال
الفقهاء هي الشريعة ، واعتبر كل ما يخرج عن أقوال الفقهاء مبتدعا لا يوثق
بأقواله ، ولا يعتد بفتاويه .
وكان مما ساعد على انتشار هذه الروح الرجعية ، ما قام به الحكام والأغنياء
من إنشاء المدارس ، وقصر التدريس فيها على مذهب أو مذاهب معينة ، فكان
ذلك من أسباب الاقبال على تلك المذاهب ، والانصراف عن الاجتهاد ، محافظة
على الأرزاق التي رتبت لهم ! سأل أبو زرعة شيخه البلقيني قائلا : ما تقصير
الشيخ تفي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل آلته ؟ فسكت البلقيني ،
فقال أبو زرعة : فما عندي أن الامتناع عن ذلك إلا للوظائف التي قدرت
للفقهاء على المذاهب الأربعة وأن من خرج عن ذلك لم ينله شئ من ذلك ، وحرم
فقه السنة — صفحة 13
مساهمون: الشيخ سيد سابق
ص١٣