فصل : في التقية والتورية وإخفاء المسائل عمن لا يليق
في التاريخ الكامل : إن آدم مرض أحد عشر يوما ، وأوصى إلى ابنه شيث ، وأمره أن يخفي علمه
عن ( قابيل ) ، وولده لأنه قتل ( هابيل ) حسدا منه له حين خصه آدم بالعلم فأخفى شيث ، وولده ما
عندهم من العلم ، ولم يكن عند قابيل علم ينتفعون به .
وفيه : كان شيث وصي آدم في مخلفيه بعد مضيه لسبيله ( ثم بين سلسلة الأوصياء إلى
إدريس ) . وفيه : كان محمد ( ص ) قبل ذلك في السنين الثلاثة مستترا في دعوته لا يظهرها إلا لمن
يثق به .
في صحيح البخاري مع الفتح : باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا ، وقال
علي ( ع ) : حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله .
وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا
رسول الله صدق من قلبه إلا حرمه الله على النار . قال ( أي معاذ ) : يا رسول الله ( ص ) : أفلا أخبر به
الناس فيستبشرون ، قال : إذا يتكلوا ، وأخبر بها معاذ عند موته تأثما .
وفي رواية ، قال : لا إني أخاف أن يتكلوا . قال في ( الفتح ) : وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي
أن يذكر عند العامة .
ومثله قول ابن مسعود : ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه إلا كان لبعضهم فتنة ( رواه
مسلم ) ، ثم قال في ( الفتح ) : وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة ( العرنيين ) لأنه
اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي ، ( ثم قال ) فالإمساك
عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب ، ( والله أعلم ) .
وروى ابن ماجة عن أنس مرفوعا : واضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر ، واللؤلؤ ،
والذهب . قال في ( المرقاة ) : عند غير أهله بأن يحدث من لا يفهمه .
في ( من لا يحضره الفقيه ) : وصى علي ( ع ) لابنه محمد بن الحنفية : يا بني لا تقل ما لا تعلم ،
بل لا تقل كل ما تعلم .
ومن الأمثلة المشهورة : " كلموا الناس على قدر عقولهم " .
وفي ( صحيح البخاري ) عن أبي هريرة مرفوعا : لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات ( 1 ) . ( يعني
قال : إني سقيم ، وبل فعله كبيرهم ، وهذه أختي ) . قال في ( الفتح ) : أما إطلاقه الكذب على الأمور
الثلاثة فلكونه قال قولا يعتقده السامع كذبا لكنه إذا حقق لم يكن كذبا لأنه من ( باب المعاريض
المحتملة للأمرين ) فليس بكذب محض ، ( ثم قال ) : فلم يصدر ذلك من إبراهيم ( يعني إطلاق
الكذب على ذلك ) إلا في حال شدة الخوف لعلو مقامه ، وإلا فالكذب المحض في مثل تلك
المقامات يجوز ، وقد يجب لتحمل أخف الضررين دفعا لأعظمهما . وأما تسميتها ( كذبات ) فلا
هامش
( 1 ) البخاري ، ج 3 ، ص 232 .