فحين قالها لم يكن جاهلا أن الناس عامة همهم حطام هذه الدنيا ، ولكنه
كان مترفعا عن استخدام سلاح تستقذره نفسه الكريمة ويستخدمه خصمه بلا
تحرج وكذلك رده على ابن عباس . حينما استصوب إشارة المغيرة بن شعبة على
علي بأن يولي الزبير البصرة ويولي طلحة الكوفة يدل على هذا ، فلقد قال : ولو
كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام " ، فهو إذن لم يكن
بجهل ما يضر وما ينفع ، ولكنه كان يأبى ويترفع . ثم يقول سيد قطب رحمه الله :
إن معاوية وزميله عمرو لم يغلبا عليا لأنهما أعرف منه بدخائل النفوس وأخبر منه
بالتصرف النافع في الظرف المناسب ، ولكن لأنهما طليقان في استخدام كل
سلاح ، وهو مقيد بأخلاقه في اختيار وسائل الصراع ، وحين يركن معاوية وزميله
إلى الكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم . لا يملك علي أن
يتدنى إلى هذا الدرك الأسفل . فلا عجب ينجحان ويفشل ، وإنه لفشل أشرف من
كل نجاح ، على أن غلبة معاوية على علي كانت لأسباب أكبر من الرجلين ،
كانت غلبة جيل على جيل ، وعصر على عصر ، واتجاه على اتجاه ، كان مد
الروح الإسلامي العالي قد أخذ ينحسر ، وارتد الكثيرون من العرب إلى المنحدر
الذي رفعهم منه الإسلام ، بينما بقي علي بن أبي طالب في القمة لا يتبع هذا
الانحسار ، ولا يرضى بأن يجرفه التيار ، من هنا كانت هزيمته ، وهي هزيمة
أشرف من كل انتصار ثم يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله .
لقد كان انتصار معاوية هو أكبر كارثة دهمت روح الإسلام التي لم تتمكن
بعد من النفوس ، ولو قد قدر لعلي أن ينتصر ، لكان انتصاره فوزا لروح الإسلام
الحقيقية ، الروح الخلقية العادلة المترفعة التي لا تستخدم الأسلحة القذرة في
النضال ، ولكن انهزام هذه الروح ولما يمض عليها نصف قرن كامل ، وقد قضى
عليها فلم تقم لها قائمة بعد - إلا سنوات على يد عمر بن عبد العزيز - ثم انطفأ
ذلك السراج ، وبقيت الشكليات الظاهرية من روح الإسلام الحقيقية . قد تكون
رقعة الإسلام قد امتدت على يدي معاوية ومن جاء بعده ، ولكن روح الإسلام قد
تقلصت ، وهزمت ، بل انطفأت ، فإن يهش إنسان لهزيمة الروح الإسلامية
الحقيقية في مهدها وانطفاء شعلتها بقيام ذلك الملك العضوض ، فتلك غلطة نفسية
معالم الفتن — صفحة 458
مساهمون: سعيد أيوب
ص٤٥٨