تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفتن — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
مما تقدم أن أحرم المعاصرين حق الحكم على هذه الشخصيات ، ولكني أريد أن تتوافر أسباب الحكم كاملة . . . وليس ما نقله الأستاذ من أقوال معاوية حجة ، فمعاوية كان يريد بهذا القول التمهيد لاستخلاف ابنه يزيد ، وهنا عنصر نفسي فات الأستاذ جبري ملاحظته ، ولست أجزم الجزم القاطع برأيي هذا ، كما فعل الأستاذ في تخطئة عمر ، ولكني أريد فقط ألا نسارع إلى الحكم القاطع وبين أيدينا كفتا الميزان على الأقل تتأرجحان ( 1 ) . ثم يتطرق الكاتب إلى معركة صفين ، فوصف الإمام بأنه كان يجهل العناصر النفسية في صراعه مع معاوية فقال : لم تكن معرفته بالأمور النفسية على قدر صراحته ، فإذا لم تنجح سياسته النجاح كله ، فهذا سببه أنه لم يخطر على باله أن طلب الحقوق يستلزم كثيرا من حسن الموارد والمصادر . . . ولم يدر الإمام أن الناس عامة إنما همهم حطام هذه الدنيا ، فكان يعز عليه أن يعتقد أن الناس يدورون كيف دارت مصالحهم ومنافعهم ، فلم يعاملهم كنا يجب أن يعاملهم رجل السياسة ، وإنما عاملهم كما يعاملهم رجل الأخلاق ، فكان من عواقب هذه المعاملة شكوه منهم في كل كلام وفي كل خطبة . ويعلق سيد قطب فيقول : وهكذا يحكم على علي كرم الله وجهه بأنه كان يجهل النفس البشرية لمجرد أنه لم يستخدم الوسائل السياسية التي استخدمها خصماه معاوية وعمرو بن العاص ، وأبسط نظرة تكشف أن هناك فرقا كبيرا بين معرفة السلاح واستخدام هذا السلاح ، فلم يكن الفرق بين علي وبين خصميه أنه يجهل النفس البشرية وأنهما يعرفانها ، إنما كان الفرق في حقيقته هو الرضى باستخدام كل سلاح يرضاه الخلق العالي أو يأباه ، فعلي لم تكن تنقصه الخبرة بوسائل الغلبة ولا بنوازع النفوس البشرية وأهوائها ، ولكنه لم يكن يتدنى لاستخدام الأسلحة القذرة جميعا ، وفي رده على من أشاروا عليه بتوزيع المال لرشوة الضمائر ما يكفي " أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من الإسلام . فوالله لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم "
هامش
( 1 ) أي كفة الغلطة النفسية لعمر . وكفة الغلطة النفسية لمعاوية .
معالم الفتن — صفحة 457 | سعيد أيوب