تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفتن — صفحة 392

مساهمون:

ص٣٩٢
الأولى : أن الله يسير بالخلق إلى غاية ومصلحة ، وهو حكيم ولا يصدر من الحكيم فعل لا تكون فيه مصلحة وغاية . وتلك المصلحة عائدة للمخلوقين . وسبحانه لا يفعل شيئا به غاية لنفسه . فالوجود ومن فيه يسير ويمشي وراء غاية ومصلحة . والغاية تختلف بحسب المعنى وأهميته ، فتارة تكون ظاهرة المنفعة ففعلها صلاح ، وتارة تكون خفية لا تدرك العقول مصلحتها ، وهذه إما أن يقنع العقل بوجودها ، أو يشكك ، فإن شكك يجب تزن بالمقياس البرهاني ، فإن توافقا وإلا وجب طرحها . الثانية : من لوازم العدل ، أن الأوامر والنواهي الشرعية ، ذات حسن وقبح ذاتي . وهي قبل أمر الشارع فيها حسن وقبح ذاتي - فالوديعة إذا ردت فيها حسن ذاتي قبل أمر الشارع فالحسن والقبح في الموجودات من الأمور الذاتية . وقالوا : إن العقل هو المرجح ، فما حكم بقبحه فلا بد أن يأتي به نهي من الشارع . فالحسن من مقومات الذات لأنه عرض يتحكم به الشارع . وقالوا : إنا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من غير نظر إلى أمر الشارع . فإن كل عاقل يجزم بحسن الاحسان ويمدح فاعله ، ويعلم بقبح الإساءة والظلم . وهذا الحكم ضروري لا يقبل الشك . وقالوا : لم نعلم حسن الأشياء وقبحها عقلا . وقالوا : إن الله داعيا لفعل الحسن وليس له صارف عنه . وله صارف عن فعل القبيح وليس له داع إليه ، وهو قادر على كل مقدور ، ومع وجود المقدرة والداعي يجب الفعل . لأنه تعالى غني يستحيل عليه الحاجة وهو عالم بحسن الحسن وقبح القبيح . ومن المعلوم بالضرورة ، أن العالم بالقبيح الغني عنه لا يصدر عنه . وأن العالم بالحسن القادر عليه إذا خلا عن جهات المفسدة فإنه يوجد . وتحريره أن الفعل بالنظر لذاته ممكن وواجب النظر إلى علته ، وكل ممكن مستند إلى قادر . وعلته تتم بواسطة القدرة والداعي ، فإذا وجد ما تقدم تم السبب . وعند تمام السبب يجب وجود الفعل . ولو جاز فعل القبيح منه تعالى أو الاخلال بالواجب ، لارتفع الوثوق بوعده ووعيده ، وأمكن تطرف الكذب عليه تعالى . ولجاز منه إظهار المعجزة على يد الكاذب . وذلك يقتضي الشك في صدق الأنبياء . وبطل الاستدلال بالمعجزة .