4 - نظرات على طريق البغي
:
عندما بلغ أمير المؤمنين عليا ما استقر عليه طلحة والزبير . قال : والله ما
أنكروا منكرا . ولا جعلوا بيني وبينهم نصفا ( 1 ) وإنهم ليطلبون حقا هم تركوه .
ودماهم سفكوه . فإن كنت شريكهم فيه . فإن لهم نصيبهم منه . وإن كانوا ولوه
دوني فما المطالبة إلا قبلهم . وإن أول عدلهم للحكم على أنفسهم . وإن معي
لبصيرتي . ما لبست ولا لبس علي .
وإنها للفئة الباغية فيها الحمأ والحمة ( 2 ) . والشبهة المغدقة ( 3 ) . وإن الأمر
لواضح . وقد زاح الباطل عن نصابه ( 4 ) . وانقطع لسانه عن شغبه ( 5 ) . وأيم الله
لأفرطن لهم حوضا أنا ماتحه ( 6 ) . لا يصدرون عنه بري ، ولا يعبون ( 7 ) بعده
من حسي " ( 8 ) .
قال ابن أبي الحديد : والمعنى : والله ما أنكروا علي أمرا هو منكر في
الحقيقة . وإنما أنكروا ما الحجة عليهم فيه لا لهم . وحملهم على ذلك الحسد
وحب الاستئثار بالدنيا . وقال : ولا جعلوا بيني وبينهم نصعا أي وسيطا يحكم
وينصف . بل خرجوا عن الطاعة بغتة . وإنهم ليطلبون حقا تركوه . أي يظهرون
أنهم يطلبون حقا بخروجهم إلى البصرة . وقد تركوا الحق بالمدينة . وقال : إن
هؤلاء خرجوا ونقضوا البيعة . وقالوا : إنما خرجنا للأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر . وإظهار العدل وإحياء الحق . وإماتة الباطل . وأول العدل أن يحكموا
على أنفسهم . فإنه يجب على الإنسان أن يقضي على نفسه ثم على غيره . وإذا
هامش
( 1 ) النصف / الأنصاف .
( 2 ) الحمأ / الطين الأسود ، حمة العقرب / سمها .
( 3 ) الشبهة المغدقة / أي الخفية .
أي بعد وذهب عن مركزه ومقره .
( 5 ) الشغب / تهييج الشر .
( 6 ) لأفرطن لهم حوضا / أي لأملأن ، الماتح / المستفي من فوق .
( 7 ) العب / الشرب بلا مص كما تشرب الدابة .
( 8 ) الحس / ماء كامن في رمل يحفر عنه .