فمنهم من يقول اما يعجبون من هذا النصراني الذي كان يظهر العفة
وقد فجر بامرأة مسلمة ، ومنهم من يقول احفظوه إلى الصباح لئلا
يهرب ، ومنهم من يقول إن لم تحرسوه يلقي نفسه في البير فينحو
ويقول آخرون الرأي لهذا اليائس ان يذبح نفسه فيستريح من العقاب
والحبس ، وانه قام عند ذلك إلى سكين فذبح نفسه ، غير أنه غشي
عليه فسقط ثم عولج فرجع اليه عقله ، ورأيت رجلين آخرين ذبحا
أنفسهما وماتا ، ورجالا ونسوة بطبرستان والديلم يعلقون أنفسهم
من الأشجار عند خوف أو غم ينزل بهم ، " ( 1 ) وقال الحكيم ان
علة هذه الأدواء ان النفوس مجبولة على كراهة الظلمة والهرب
منها إلى النور ، فان الدماغ محل النفس الناطقة ، فإذا حللته بخارات
مظلمة باردة فزعت النفس منها واعتراها الحزن مرة والوحشة
والخوف أخرى ، ومثل النفس في ذلك مثل نور الشمس إذا قام دونها
ضباب أو سحاب ، وانما يتخيل للانسان ذلك كالرجل يسمع دويا
أو طنينا وليس في الهواء دوي ، ويرى بين عينيه شيئا يشبه النار أو
الذباب ، ويرى الشئ شيئين ، وكل ذلك يتخيل من علل تحدث
في الدماغ ، ومن هذا " الدماء " ( 2 ) تهيج من نفخة المراق وفساد فيه
أو في المعدة وترتفع ذلك إلى الدماغ فيفسده ، فعلامة ما كان من
اجتماع الصفرا مع البلغم اختلاط العقل والعبث والهذيان فإن كان
من الصفرا وحدها اصابه معه مغص وجشاء مدخنة ومرارة الفم
وعطش واصفرار البول ، وان اجتمع معها البلغم كثر الريق وحمض
الجشاء ، " وقد يكون أيضا من بعض الأعضاء وعلامته ان يحس
بارتفاع البخار من العضو عند النوبة كما ذكر جالينوس وسنذكره
في ذكر علاجه "
هامش
( 1 )
( 2 ) الداء "