يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته ، أو قضى حاجته . وقيل يؤثرون منافع غيرهم على منافعهم :
وقيل يتكرمون على المؤمنين بالاستغفار لهم . والبررة جمع بار مثل كفرة وكافر : أي أتقياء مطيعون لربهم صادقون في
إيمانهم ، وقد تقدم تفسيره ( قتل الإنسان ما أكفره ) أي لعن الإنسان الكافر ما أشد كفره ، وقيل عذب ، قيل
والمراد به عتبة بن أبي لهب ، ومعنى ما أكفره التعجب من إفراط كفره . قال الزجاج : معناه أعجبوا أنتم من كفره ،
وقيل المراد بالإنسان من تقدم ذكره في قوله - أما من استغنى - وقيل المراد به الجنس ، وهذا هو الأولى ، فيدخل
تحته كل كافر شديد الكفر ، ويدخل تحته من كان سببا لنزول الآية دخولا أوليا . ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي
لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره ويكف عن طغيانه فقال ( من أي شئ خلقه ) أي من أي شئ
خلق الله هذا الكافر والاستفهام للتقرير . ثم فسر ذلك فقال ( من نطفة خلقه ) أي من ماء مهين ، وهذا تحقير له .
قال الحسن : كيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين ، ومعنى ( فقدره ) أي فسواه وهيأه لمصالح نفسه ،
وخلق له اليدين والرجلين والعينين وسائر الآلات والحواس ، وقيل قدره أطوارا من حال إلى حال ، نطفة ثم
علقة إلى أن تم خلقه ( ثم السبيل يسره ) أي يسر له الطريق إلى الخير والشر . وقال السدى ومقاتل وعطاء وقتادة :
يسره للخروج من بطن أمه ، والأول أولى . ومثله قوله - وهديناه النجدين - وانتصاب السبيل بمضمر يدل عليه
الفعل المذكور : أي يسر السبيل يسره ( ثم أماته فأقبره ) أي جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراما له ، ولم
يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير ، كذا قال الفراء : وقال أبو عبيدة : جعل له قبرا وأمر أن
يقبر فيه . وقال أقبره ، ولم يقل قبره ، لأن القابر هو الدافن بيده ، ومنه قول الأعشى :
لو أسندت ميتا إلى صدرها * عاش ولم ينقل إلى قابر
( ثم إذا شاء أنشره ) أي ثم إذا شاء إنشاره أنشره : أي أحياه بعد موته ، وعلق الإنشار بالمشيئة للدلالة على أن
وقته غير متعين ، بل هو تابع للمشيئة . قرأ الجمهور " أنشره " بالألف ، وروى أبو حيوة عن نافع وشعيب بن
أبي حمزة نشره بغير ألف ، وهما لغتان فصيحتان ( كلا لما يقضى ما أمره ) كلا ردع وزجر للإنسان الكافر : أي
ليس الأمر كما يقول . ومعنى : لما يقض ما أمره ، لم يقض ما أمره الله به من العمل بطاعته واجتناب معاصيه ،
وقيل المراد الإنسان على العموم ، وأنه لم يفعل ما أمره الله به مع طول المدة لأنه لا يخلو من تقصير . قال الحسن :
أي حقا لم يعمل ما أمر به . وقال ابن فورك : أي كلا لما يقض لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان ، بل أمره بما لم
يقض له . قال ابن الأنباري : الوقف على كلا قبيح والوقف على أمره جيد ، وكلا على هذا بمعنى حقا . وقيل
المعنى : لما يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره ، بل أخل به : بعضها بالكفر ، وبعضها بالعصيان ، وما قضى ما أمره
الله إلا القليل . ثم شرع سبحانه في تعداد نعمه على عباده ليشكروها ، وينزجروا عن كفرانها بعد ذكر النعم
المتعلقة بحدوثه فقال ( فلينظر الإنسان إلى طعامه ) أي ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سببا لحياته ؟ وكيف
هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية ؟ قال مجاهد : معناه فلينظر الإنسان إلى طعامه : أي إلى مدخله
ومخرجه ، والأول أول . ثم بين ذلك سبحانه فقال ( أنا صببنا الماء صبا ) قرأ الجمهور " إنا " بالكسر على
الاستئناف . وقرأ الكوفيون ورويس عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من طعامه بدل اشتمال لكون نزول المطر
سببا لحصول الطعام ، فهو كالمشتمل عليه ، أو بتقدير لام العلة . قال الزجاج : الكسر على الابتداء والاستئناف ،
والفتح على معنى البدل من الطعام . المعنى : فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صبا ، وأراد بصب الماء المطر ،
فتح القدير — صفحة 384
مساهمون: الشوكاني
ص٣٨٤