وقرأ الحسن بن علي بالفتح والإمالة ( ثم شققنا الأرض شقا ) أي شققناها بالنبات الخارج منها بسبب نزول المطر
شقا بديعا لائقا بما يخرج منه في الصغر والكبر والشكل والهيئة . ثم بين سبب هذا الشق وما وقع لأجله فقال
( فأنبتنا فيها حبا ) يعنى الحبوب الذي يتغذى بها ، والمعنى : أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حبا "
وقوله ( وعنبا ) معطوف على حبا : أي وأنبتنا فيها عنبا ، قيل وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع
ما قيد به المعطوف عليه فلا ضير في خلو إنبات العنب عن شق الأرض ، والقضب : هو ألقت الرطب الذي يقضب
مرة بعد أخرى تعلف به الدواب ، ولهذا سمى قضبا على مصدر قضبه : أي قطعه كأنه لتكرر قطعها نفس القطع .
قال الخليل : القضب الفصفصة الرطبة ، فإذا يبست فهي ألقت . قال في الصحاح : والقضبة والقضب الرطبة ،
قال : والموضع الذي ينبت فيه مقضبة . قال القتيبي وثعلب : وأهل مكة يسمون العنب القضب . والزيتون هو
ما يعصر منه الزيت ، وهو شجرة الزيتون المعروفة ، والنخل هو جمع نخلة ( وحدائق غلبا ) جمع حديقة ، وهي
البستان ، والغلب العظام الغلاظ الرقاب . وقال مجاهد ومقاتل : الغلب الملتف بعضها ببعض ، يقال : رجل أغلب :
إذا كان عظيم الرقبة ، ويقال للأسد أغلب لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعا . قال العجاج :
ما زلت يوم البين ألوى صلبي * والرأس حتى صرت مثل الأغلب
وجمع أغلب وغلباء غلب كما جمع أحمر وحمراء على حمر . وقال قتادة وابن زيد : الغلب النخل الكرام . وعن
ابن زيد أيضا وعكرمة : هي غلاظ الأوساط والجذوع . والفاكهة ما يأكله الإنسان من ثمار الأشجار كالعنب
والتين والخوخ ونحوها . والأب كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس ولا يزرعونه من الكلأ وسائر أنواع
المرعى ، ومنه قول الشاعر :
جسدنا قيس ونجسد دارنا * ولنا الأب بها والمكرع
قال الضحاك : الأب كل شئ ينبت على وجه الأرض . وقال ابن أبي طلحة : هو الثمار الرطبة . وروى عن
الضحاك أيضا أنه قال : هو التين خاصة ، والأول أولى . ثم شرع سبحانه في بيان أحوال المعاد فقال ( فإذا
جاءت الصاخة ) يعنى صيحة يوم القيامة ، وسميت صاخة لشدة صوتها لأنها تصخ الأذان : أي تصمها فلا
تسمع ، وقيل سميت صاخة لأنها يصيخ لها الأسماع ، من قولك أصاخ إلى كذا أي استمع إليه ، والأول أصح .
قال الخليل : الصاخة صيحة تصخ الآذان حتى تصمها بشدة وقعها ، وأصل الكلمة في اللغة مأخوذة من الصك
الشديد ، يقال صخه بالحجر : إذا صكه بها ، وجواب إذا محذوف يدل عليه قوله ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن
يغنيه ) أي فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه ، والظرف في قوله ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته
وبنيه ) إما بدل من إذا جاءت ، أو منصوب بمقدر : أي أعني ويكون تفسيرا للصاخة ، أو بدلا منها مبني على
الفتح ، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أخص القرابة ، وأولاهم بالحنو والرأفة ، فالفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم ،
وخطب فظيع ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) أي لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه
عنهم . وقيل إنما يفر عنهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينهم ، وقيل يفر عنهم لئلا يروا ما هو فيه من الشدة ، وقيل
لعلمه أنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئا كما قال تعالى - يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا - والجملة مستأنفة مسوقة
لبيان سبب الفرار . قال ابن قتيبة : يغنيه : أي يصرفه عن قرابته ، ومنه يقال أغن عني وجهك : أي اصرفه . قرأ
الجمهور " يغنيه " بالغين المعجمة . وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح الياء : أي يهمه ، من عناه الأمر إذا
فتح القدير — صفحة 385
مساهمون: الشوكاني
ص٣٨٥