المتطهرون ( تنزيل من رب العالمين ) قرأ الجمهور بالرفع ، وقرئ بالنصب ، فالرفع على أنه صفة أخرى لقرآن ،
أو خبر مبتدإ محذوف ، والنصب على الحال ( أفبهذا الحديث أنتم مدهنون ) الإشارة إلى القرآن المنعوت بالنعوت
السابقة ، والمدهن والمداهن المنافق . كذا قال الزجاج وغيره . وقال عطاء وغيره : هو الكذاب . وقال مقاتل بن
سليمان وقتادة : مدهنون كافرون ، كما في قوله - ودوا لو تدهن فيدهنون - وقال الضحاك : مدهنون معرضون ،
وقال مجاهد : ممالئون للكفار على الكفر ، وقال أبو كيسان : المدهن الذي لا يعقل حق الله عليه ويدفعه بالعلل .
والأول أولى لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه كأنه يشبه المدهن في سهولته . قال المؤرج : المدهن
المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره ، والإدهان والمداهنة : التكذيب والكفر والنفاق ، وأصله اللين ، وأن يسر
خلاف ما يظهر ، وقال في الكشاف مدهنون : أي متهاونون به كمن يدهن في الأمر : أي يلين جانبه ولا يتصلب
فيه تهاونا به انتهى . قال الراغب : والإدهان في الأصل مثل التدهين لكل جعل عبارة عن المداراة والملاينة ،
وترك الجد : كما جعل التقريد ، وهو نزع القراد عبارة عن ذلك ، ويؤيد ما ذكره قول أبي قيس بن الأسلت :
الحزم والقوة خير من ال * إدهان والعهه والهاع
( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) في الكلام مضاف محذوف ، كما حكاه الواحدي عن المفسرين : أي
تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة الله فتضعون التكذيب موضع الشكر . وقال الهيثم : إن أزدشنوءة
يقولون ما رزق فلان : أي ما شكر ، وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف بل معنى الرزق الشكر .
ووجه التعبير بالرزق عن الشكر أن الشكر يفيض زيادة الرزق فيكون الشكر رزقا تعبيرا بالسبب عن المسبب ،
ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم الله ، وأنزل عليهم المطر : سقينا بنوء كذا ، ومطرنا بنوء كذا
قال الأزهري : معنى الآية وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزاق .
وقرأ علي وابن عباس " وتجعلون شكركم " وقرأ الجمهور " أنكم تكذبون " بالتشديد من التكذيب ، وقرأ علي
وعاصم في رواية عنه بالتخفيف من الكذب ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) أي فهلا إذا بلغت الروح أو النفس
الحلقوم عند الموت ، ولم يتقدم لها ذكر ، لأن المعنى مفهوم عندهم إذا جاءوا بمثل هذه العبارة ، ومنه قول حاتم طي :
أماوى ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
( وأنتم حينئذ تنظرون ) إلى ما هو فيه ذلك الذي بلغت نفسه أو روحه الحلقوم . قال الزجاج : وأنتم يا أهل الميت
في تلك الحال ترون الميت قد صار إلى أن تخرج نفسه ، والمعنى أنهم في تلك الحال لا يمكنهم الدفع عنه ، ولا
يستطيعون شيئا ينفعه أو يخفف عنه ما هو فيه ( ونحن أقرب إليه منكم ) أي بالعلم والقدرة والرؤية ، وقيل أراد
ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم ( ولكن لا تبصرون ) أي لا تدركون ذلك لجهلكم بأن الله أقرب إلى
عبده من حبل الوريد ، أو لا تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه ( فلولا إن كنتم غير
مدينين ترجعونها ) يقال دان السلطان رعيته : إذا ساسهم واستعبدهم . قال الفراء : دنته ملكته ، وأنشد للحطيئة :
لقد دنت أمر بنيك حتى * تركتهم أدق من الطحين
أي ملكت ، ويقال دانه : إذا أذله واستعبده ، وقيل معنى مدينين محاسبين ، وقيل مجزيين ، ومنه قول
الشاعر : ولم يبق سوى العدوان * دناهم كما دانوا
والمعنى الأول ألصق بمعنى الآية : أي فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين ترجعونها : أي النفس التي قد
فتح القدير — صفحة 161
مساهمون: الشوكاني
ص١٦١