سلا عن تذكره تكتما * وكان رهينا بها مغرما
يقال أغرم فلان بفلان : أي أولع . وقال مقاتل : مهلكون . قال النحاس : مأخوذ من الغرام ، وهو الهلاك
ومنه قول الشاعر :
ويوم النسار ويوم الجبار * كان عليكم عذابا مقيما
والظاهر من السياق المعنى الأول : أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثناه ومصيره حطاما ، ثم أضربوا عن قولهم هذا
وانتقلوا فقالوا ( بل نحن محرومون ) أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا ، والمحروم الممنوع من الرزق الذي لاحظ له
فيه ، وهو المحارف ( أفرأيتم الماء الذي تشربون ) فتسكنون به ما يلحقكم من العطش وتدفعون به ما ينزل بكم من
الظمأ . واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثرة فوائد الماء ومنافعه ، لأنه أعظم فوائده وأجل منافعه ( أأنتم
أنزلتموه من المزن ) أي السحاب . قال في الصحاح : قال أبو زيد : المزنة السحابة البيضاء ، والجمع مزن والمزنة
المطر . قال الشاعر :
ألم تر أن الله أنزل مزنة * وعفر الظبا في الكنائس تقمع
ومما يدل على أنه السحاب قول الشاعر :
فنحن كماء المزن ما في نصابنا * كهام ولا فينا يعد بخيل
وقول الآخر : فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض أبقل إبقالها
( أم نحن المنزلون ) له بقدرتنا دون غيرنا ، فإذا عرفتم ذلك ، فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون
بالبعث . ثم بين لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال ( لو نشاء جعلناه أجاجا ) الأجاج الماء الشديد الملوحة
الذي لا يمكن شربه ، وقال الحسن : هو الماء المر الذي لا ينتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما ( فلولا
تشكرون ) أي فهلا تشكرون نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذبا تشربون منه وتنتفعون به ( أفرأيتم النار التي
تورون ) أي أخبروني عنها ، ومعنى تورون : تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب ، يقال أوريت النار إذا
قدحتها ( أأنتم أنشأتم شجرتها ) التي يكون منها الزنود ، وهي المرخ والعفار ، تقول العرب : في كل شجر نار
واستمجد المرخ والعفار ( أم نحن المنشئون ) لها بقدرتنا دونكم ، ومعنى الإنشاء الخلق ، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة
على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة ( نحن جعلناها تذكرة ) أي جعلنا هذه النار التي في الدنيا تذكرة
لنار جهنم الكبرى . قال مجاهد وقتادة : تبصرة للناس في الظلام ، وقال عطاء : موعظة ليتعظ بها المؤمن ( ومتاعا
للمقوين ) أي منفعة للذين ينزلون بالقواء ، وهي الأرض القفر كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الأراضي
المقفرة ، يقال أرض قواء بالمد والقصر : أي مقفرة ، ومنه قول النابغة :
يا دار مية بالعلياء فالسند * أقوت وطال عليها سالف الأمد
وقال عنترة : حييت من طلل تقادم عهده * أقوى وأقفر بعد أم الهيثم
وقول الآخر : ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيداء سملق
ويقال أقوى إذا سافر : أي نزل القوي . وقال مجاهد : المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ
والخبز والاصطلاء والاستضاءة ، وتذكر نار جهنم . وقال ابن زيد : للجائعين في إصلاح طعامهم ، يقال :
أقويت منذ كذا وكذا : أي ما أكلت شيئا ، وبات فلان القوي : أي بات جائعا ، ومنه قول الشاعر :
فتح القدير — صفحة 158
مساهمون: الشوكاني
ص١٥٨