تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 550

مساهمون:

ص٥٥٠
قلت بذلك وحكمت له به . قرأ الكوفيون " عباد " بالجمع ، وبها قرأ ابن عباس . وقرأ الباقون " عند الرحمن " بنون ساكنة ، واختار القراءة الأولى أبو عبيد ، لأن الإسناد فيها أعلى ، ولأن الله إنما كذبهم في قوله : إنهم بنات الله فأخبرهم أنهم عباده ، ويؤيد هذه القراءة قوله - بل عباد مكرمون - واختار أبو حاتم القراءة الثانية ، قال : وتصديق هذه القراءة قوله - إن الذين عند ربك - ثم وبخهم وقرعهم فقال ( أشهدوا خلقهم ) أي أحضروا خلق الله إياهم فهو من الشهادة التي هي الحضور ، وفي هذا تهكم بهم وتجهيل لهم . قرأ الجمهور " أشهدوا " على الاستفهام بدون الواو . وقرأ نافع " أو أشهدوا " . وقرأ الجمهور ( ستكتب شهادتهم ) بضم التاء الفوقية وبناء الفعل للمفعول ورفع شهادتهم ، وقرأ السلمي وابن السميفع وهبيرة عن حفص بالنون وبناء الفعل للفاعل ونصب شهادتهم ، وقرأ أبو رجاء " شهاداتهم " بالجمع ، والمعنى : سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم لنجازيهم على ذلك ( ويسألون ) عنها يوم القيامة ( وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ) هذا فن آخر من فنون كفرهم بالله جاءوا به للاستهزاء والسخرية ، ومعناه : لو شاء الرحمن في زعمكم ما عبدنا هذه الملائكة ، وهذا كلام حق يراد به باطل ، وقد مضى بيانه في الأنعام ، فبين سبحانه جهلهم بقوله ( ما لهم بذلك من علم ) أي ما لهم بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم من علم ، بل تكلموا بذلك جهلا ، وأرادوا بما صورته صورة الحق باطلا ، وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي . ثم بين انتفاء علمهم بقوله ( إن هم إلا يخرصون ) أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ويتمحلون تمحلا باطلا . وقيل الإشارة بقوله ( ذلك ) إلى قوله ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) . قاله قتادة ومقاتل والكلبي ، وقال مجاهد وابن جريج : أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم . وقد أخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : إن أول ما خلق الله من شئ القلم وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة والكتاب عنده ، ثم قرأ ( وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم ) . وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعا . وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا ) قال : أحببتم أن يصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به . وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثا ثم قال ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( وما كنا له مقرنين ) قال : مطيقين . وأخرج عبد بن حميد عنه ( أو من ينشأ في الحلية ) قال : هو النساء فرق بين زيهن وزي الرجال ونقصهن من الميراث وبالشهادة وأمرهن بالقعدة وسماهن الخوالف . وأخرج سعيد ابن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال : كنت أقرأ هذا الحرف ( الذين هم عند الرحمن إناثا ) فسألت ابن عباس فقال : عباد الرحمن ؟ قلت : فإنها في مصحفي " عند الرحمن " قال : فامحها واكتبها " عباد الرحمن " .
فتح القدير — صفحة 550 | الشوكاني