تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
ثم بعد الفلاح والملك والأم * ة وارتهم هناك قبور ثم أخبر سبحانه أن غير هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة وقال بها فقال ( وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ) مترفوها : أغنياؤها ورؤساؤها ، قال قتادة : مقتدون متبعون ، ومعنى الاهتداء والاقتداء متقارب ، وخصص المترفين تنبيها على أن التنعم هو سبب إهمال النظر . ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يرد عليهم فقال ( قل أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبائكم ) أي أتتبعون آبائكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم ، قال الزجاج : المعنى قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم وإن جئتكم بأهدى منه . قرأ الجمهور ( قل أو لو جئتكم ) وقرأ ابن عامر وحفص " قال أو لو جئتكم " وهو حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم : أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته ، وقيل إن كلا القراءتين حكاية لما جرى بين الأنبياء وقومهم ، كأنه قال : لكل نبي قل ، بدليل قوله ( قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون ) وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه ، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم ويتبعون آثارهم ويقتدون بهم ، فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير ولا حجة واضحة ، بل بمجرد قال وقيل لشبهة داحضة وحجة زائفة ومقالة باطلة ، قالوا بما قاله روى المترفون من هذه الملل : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، أو بما يلاقي معناه معنى ذلك ، فإن قال لهم الداعي إلى الحق : قد جمعتنا الملة الإسلامية وشملنا هذا الدين المحمدي ، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم وتعبد آباءكم من قبلكم إلا بكتابه الذي أنزله على رسوله وبما صح عن رسوله ، فإنه المبين لكتاب الله الموضح لمعانيه ، الفارق بين محكمه ومتشابهه ، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله - فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول - فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم ودرج عليه آباؤكم ، نفروا نفور الوحوش ، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر ، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه - إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا - ولا قوله - فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما - فإن قال لهم القائل : هذا العالم الذي تقتدون به وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبدا بكتاب الله وسنة رسوله ، مطلوبا منه ما هو مطلوب منكم ، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل ، فذلك رخصة له لا يحل أن يتبعه غيره عليها ، ولا يجوز له العمل بها ، وقد وجدوا الدليل الذي لم يجده ، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله ، أو فيما صح من سنة رسوله ، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم ، قالوا : لا نعمل بهذا ولا سمع لك ولا طاعة ، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة ، ولم يسلموا ذلك ولا أذعنوا له ، وقد وهب لهم الشيطان عصى يتوكئون عليها عند أن يسمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة ، وهي أنهم يقولون : إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله ، وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصورا عظيما بسبب تقدم العصر وكثرة الأتباع . وما علموا أن هذا منقوض عليهم مدفوع به في وجوههم ، فإنه لو قيل لهم إن في التابعين من هو أعظم قدرا ، وأقدم عصرا من صاحبكم ، فإن كان لتقدم العصر وجلالة القدر مزية حتى توجب الاقتداء ، فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصرا وأجل قدرا ، فإن أبيتم ذلك ، ففي الصحابة رضي الله عنهم من هو أعظم قدرا من صاحبكم علما وفضلا وجلالة قدر ، فإن أبيتم ذلك ، فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدرا وأجل خطرا وأكثر أتباعا وأقدم عصرا ، وهو محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم ورسول الله إلينا وإليكم