تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى ، وهو تمثيل بحال الملك المحتجب الذي يكلم خواصه من وراء حجاب ( أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) أي يرسل ملكا ، فيوحي ذلك الملك إلى الرسول من البشر بأمر الله وتيسيره ما يشاء أن يوحي إليه . قال الزجاج : المعنى أن كلام الله للبشر : إما أن يكون بإلهام يلهمهم ، أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى ، أو برسالة ملك إليهم . وتقدير الكلام : ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحى وحيا ، أو يكلمه من وراء حجاب أو يرسل رسولا . ومن قرأ " يرسل " رفعا أراد وهو يرسل ، فهو ابتداء واستئناف . قرأ الجمهور بنصب " أو يرسل " وبنصب " فيوحى " على تقدير أن ، وتكون أن وما دخلت عليه معطوفين على وحيا ، ووحيا في محل الحال ، والتقدير : إلا موحيا أو مرسلا ، ولا يصح عطف أو يرسل على أن يكلمه لأنه يصير التقدير : وما كان لبشر أن يرسل الله رسولا ، وهو فاسد لفظا ومعنى . وقد قيل في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف . وقرأ نافع " أو يرسل " بالرفع ، وكذلك " فيوحى " بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف ، والتقدير : أو هو يرسل كما قال الزجاج وغيره ، وجملة ( إنه علي حكيم ) تعليل لما قبلها : أي متعال عن صفات النقص ، حكيم في كل أحكامه . قال المفسرون : سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبيا كما كلمه موسى ، فنزلت ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) أي وكالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ، المراد به القران ، وقيل النبوة . قال مقاتل : يعني الوحي بأمرنا ومعناه القران ، لأنه يهتدى به ، ففيه حياة من موت الكفر . ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحى إليه فقال ( ما كنت تدري ما الكتاب ) أي أي شئ هو ، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أميا لا يقرأ ولا يكتب وذلك أدخل في الإعجاز وأدل على صحة نبوته ، ومعنى ( ولا الإيمان ) أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم لا يعرف تفاصيل الشرائع ولا يهتدي إلى معالمها ، وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها ، وقيل أراد بالإيمان هنا الصلاة . قال بهذا جماعة من أهل العلم : منهم إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة ، واحتج بقوله تعالى - وما كان الله ليضيع إيمانكم - يعني الصلاة ، فسماها إيمانا . وذهب جماعة إلى أن الله سبحانه لم يبعث نبيا إلا وقد كان مؤمنا به ، وقالوا معنى الآية : ما كنت تدري قبل الوحي كيف تقرأ القرآن ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان ، وقيل كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلا وفي المهد . وقال الحسين بن الفضل : إنه على حذف مضاف : أي ولا أهل الإيمان ، وقيل المراد بالإيمان دين الإسلام ، وقيل الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله به العباد ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء ) أي ولكن جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك ضياء ودليلا على التوحيد والإيمان نهدي به من نشاء هدايته ( من عبادنا ) ونرشده إلى الدين الحق ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) قال قتادة والسدي ومقاتل : وإنك لتدعو إلى الإسلام ، فهو الصراط المستقيم . قرأ الجمهور " لتهدي " على البناء للفاعل . وقرأ ابن حوشب على البناء للمفعول . وقرأ ابن السميفع بضم التاء وكسر الدال من أهدى ، وفي قراءة أبي " وإنك لتدعو " ثم بين الصراط المستقيم بقوله ( صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ) وفي هذه الإضافة للصراط إلى الاسم الشريف من التعظيم له والتفخيم لشأنه مالا يخفى ، ومعنى ( له ما في السماوات وما في الأرض ) أنه المالك لذلك والمتصرف فيه ( ألا إلى الله تصير الأمور ) أي تصير إليه يوم القيامة لا إلى غيره جميع أمور الخلائق ، وفيه وعيد بالبعث المستلزم للمجازاة .
فتح القدير — صفحة 545 | الشوكاني