تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
قوله ( ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ) هذا كلام مستأنف يتضمن تسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عما كان يحصل له من الاغتمام بكفر قومه وطعنهم في القرآن ، فأخبره أن هذا عادة قديمة في أمم الرسل ، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة إليهم ، والمراد بالكتاب التوراة ، والضمير من قوله " فيه " راجع إليه . وقيل يرجع إلى موسى ، والأول أولى ( ولولا كلمة سبقت من ربك ) في تأخير العذاب عن المكذبين من أمتك كما في قوله - ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى - ( لقضي بينهم ) بتعجيل العذاب لمن كذب منهم ( وإنهم لفي شك منه مريب ) أي من كتابك المنزل عليك وهو القرآن ، ومعنى الشك المريب : الموقع في الريبة ، أو الشديد الريبة . وقيل إن المراد اليهود ، وأنهم في شك من التوراة مريب ، والأول أولى ( من عمل صالحا فلنفسه ) أي من أطاع الله وآمن برسوله ولم يكذبهم فثواب ذلك راجع إليه ونفعه خاص به ( ومن أساء فعليها ) أي عقاب إساءته عليه لا على غيره ( وما ربك بظلام للعبيد ) فلا يعذب أحدا إلا بذنبه ، ولا يقع منه الظلم لأحد كما في قوله سبحانه - إن الله لا يظلم الناس شيئا - وقد تقدم الكلام على معنى هذه الآية في سورة آل عمران عند قوله - وأن الله ليس بظلام للعبيد - وفي سورة الأنفال أيضا . ثم أخبر سبحانه أن علم القيامة ووقت قيامها لا يعلمه غيره ، فقال ( إليه يرد علم الساعة ) فإذا وقع السؤال عنها وجب على المسؤول أن يرد علمها إليه لا إلى غيره ، وقد روي أن المشركين قالوا : يا محمد إن كنت نبيا فخبرنا متى تقوم الساعة ؟ فنزلت ، و " ما " في قوله ( وما تخرج من ثمرات من أكمامها ) نافية ، ومن الأولى للاستغراق ، ومن الثانية لابتداء الغاية ، وقيل هي موصولة في محل جر عطفا على الساعة : أي علم الساعة وعلم التي تخرج ، والأول أولى . والأكمام جمع كم بكسر الكاف ، وهو وعاء الثمرة ويطلق على كل ظرف لمال أو غيره . قال أبو عبيدة : أكمامها أوعيتها ، وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها كم وكمة . قال الراغب : الكم ما يغطي اليد من القميص ، وما يغطي الثمرة ، وجمعه أكمام ، وهذا يدل على أن الكم بضم الكاف لأنه جعله مشتركا بين كم القميص وكم الثمرة ، ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم . ويمكن أن يقال : إن في الكم الذي هو وعاء الثمر لغتين . قرأ الجمهور " من ثمرة " بالإفراد ، وقرأ نافع وابن عامر وحفص بالجمع ( وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ) أي ما تحمل أنثى حملا في بطنها ولا تضع ذلك الحمل إلا بعلم الله سبحانه ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال : أي ما يحدث شئ من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع في حال من الأحوال إلا كائنا بعلم الله فإليه يرد علم الساعة كما إليه يرد علم هذه الأمور ( ويوم يناديهم ) أي ينادي الله سبحانه المشركين ، وذلك