الأمم التي عصت الله وكذبت رسلها ، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدل على ما نزل بهم من العقوبة وما صاروا
إليه من سوء العاقبة . ثم بين سبحانه أن تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة والقوة فقال ( كانوا أكثر منهم وأشد
قوة ) أي أكثر منهم عددا وأقوى منهم أجسادا وأوسع منهم أموالا ، ( و ) أظهر منهم ( آثارا في الأرض ) بالعمائر
والمصانع والحرث ( فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ) يجوز أن تكون ما الأولى استفهامية : أي أي شئ أغنى عنهم ،
أو نافية : أي لم يغن عنهم ، وما الثانية يجوز أن تكون موصولة وأن تكون مصدرية ( فلما جاءتهم رسلهم بالبينات )
أي بالحجج الواضحات والمعجزات الظاهرات ( فرحوا بما عندهم من العلم ) أي أظهروا الفرح بما عندهم مما يدعون
أنه من العلم من الشبه الداحضة والدعاوى الزائغة ، وسماه علما تهكما بهم ، أو على ما يعتقدونه . وقال مجاهد :
قالوا نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث ، وقيل المراد من علم أحوال الدنيا لا الدين كما في قوله - يعلمون ظاهرا
من الحياة الدنيا - وقيل الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم الرسل ، وذلك أنه لما كذبهم قومهم أعلمهم الله بأنه
مهلك الكافرين ومنجي المؤمنين ففرحوا بذلك ( وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) أي أحاط بهم جزاء استهزائهم
( فلما رأوا بأسنا ) أي عاينوا عذابنا النازل بهم ( قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين ) وهي الأصنام
التي كانوا يعبدونها ( فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ) أي عند معاينة عذابنا ، لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان
النافع لصاحبه ، فإنه إنما ينفع الإيمان الاختياري لا الإيمان الاضطراري ( سنة الله التي قد خلت في عباده ) أي التي
قد مضت في عباده ، والمعنى : أن الله سبحانه سن هذه السنة في الأمم كلها أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب
وقد مضى بيان هذا في سورة النساء وسورة التوبة ، وانتصاب سنة على أنها مصدر مؤكد لفعل محذوف بمنزلة
وعد الله وما أشبهه من المصادر المؤكدة . وقيل هو منصوب على التحذير : أي احذروا يا أهل مكة سنة الله في الأمم
الماضية ، والأول أولى ( وخسر هنالك الكافرون ) أي وقت رؤيتهم بأس الله ومعاينتهم لعذابه . قال الزجاج :
الكافر خاسر في كل وقت ، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب .
وقد أخرج أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور عن عبد الله بن
عمرو قال " تلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( إذا الأغلال في أعناقهم ) إلى قوله ( يسجرون ) فقال : لو أن
رصاصة مثل هذه ، وأشار إلى جمجمة أرسلت من السماء إلى الأرض ، وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض
قبل الليل ، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا الليل والنهار قبل أن تبلغ أصلها ، أو قال
قعرها " . وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة النار عن ابن عباس قال : يسحبون في الحميم فينسلخ كل شئ عليهم
من جلد ولحم وعرق حتى يصير في عقبه حتى إن لحمه قدر طوله ، وطوله ستون ذراعا ، ثم يكسى جلدا آخر ،
ثم يسجر في الحميم . وأخرج الطبراني في الأوسط وابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله ( ومنهم من لم
نقصص عليك ) قال : بعث الله عبدا حبشيا فهو ممن لم يقصص على محمد .
فتح القدير — صفحة 503
مساهمون: الشوكاني
ص٥٠٣