تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 501

مساهمون:

ص٥٠١
أمر الله سبحانه رسوله أن يخبر المشركين بأن الله نهاه عن عبادة غيره وأمره بالتوحيد فقال ( قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ) وهي الأصنام . ثم بين وجه النهي فقال ( لما جاءني بالبينات من ربي ) وهي الأدلة العقلية والنقلية ، فإنها توجب التوحيد ( وأمرت أن أسلم لرب العالمين ) أي أستسلم له بالانقياد والخضوع . ثم أردف هذا بذكر دليل من الأدلة على التوحيد فقال ( هو الذي خلقكم من تراب ) أي خلق أباكم الأول ، وهو آدم ، وخلقه من تراب يستلزم خلق ذريته منه ( ثم من نطفة ثم من علقة ) قد تقدم تفسير هذا في غير موضع ( ثم يخرجكم طفلا ) أي أطفالا ، وأفرده لكونه اسم جنس ، أو على معنى يخرج كل واحد منكم طفلا ( ثم لتبلغوا أشدكم ) وهي الحالة التي تجتمع فيها القوة والعقل ، وقد سبق بيان الأشد مستوفى في الأنعام ، واللام التعليلية في لتبلغوا معطوفة على علة أخرى ليخرجكم مناسبة لها ، والتقدير : لتكبروا شيئا فشيئا ، ثم لتبلغوا غاية الكمال ، وقوله ( ثم لتكونوا شيوخا ) معطوف على لتبلغوا ، قرأ نافع وحفص وأبو عمرو وابن محيصن وهشام " شيوخا " بضم الشين ، وقرأ الباقون بكسرها ، وقرئ وشيخا على الإفراد لقوله طفلا ، والشيخ من جاوز أربعين سنة ( ومنكم من يتوفى من قبل ) أي من قبل الشيخوخة ( ولتبلغوا أجلا مسمى ) أي وقت الموت أو يوم القيامة ، واللام هي لام العاقبة ( ولعلكم تعقلون ) أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة ( هو الذي يحيي ويميت ) أي يقدر على الإحياء والإماتة ( فإذا قضى أمرا ) من الأمور التي يريدها ( فإنما يقول له كن فيكون ) من غير توقف ، وهو تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات عند تعلق إرادته بها ، وقد تقدم تحقيق معناه في البقرة وفيما بعدها . ثم عجب سبحانه من أحوال المجادلين في آيات الله فقال ( ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله ) وقد سبق بيان معنى المجادلة ( أنى يصرفون ) أي كيف يصرفون عنها مع قيام الأدلة الدالة على صحتها ، وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد . قال ابن زيد : هم المشركون بدليل قوله ( الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا ) قال القرطبي : وقال أكثر المفسرين نزلت في القدرية . قال ابن سيرين : إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت ، ويجاب عن هذا بأن الله سبحانه قد وصف هؤلاء بصفة تدل على غير ما قالوه فقال ( الذين كذبوا بالكتاب ) أي بالقرآن ، وهذا وصف لا يصح أن يطلق على فرقة من فرق الإسلام ، والموصول إما في محل جر على أنه نعت للموصول الأول ، أو بدل منه ، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم ، والمراد بالكتاب إما القرآن أو جنس الكتب المنزلة من عند الله ، وقوله ( وبما أرسلنا به رسلنا ) معطوف على قوله بالكتاب ، ويراد به ما يوحى إلى الرسل من غير كتاب إن كانت اللام في الكتاب للجنس أو سائر الكتب إن كان المراد بالكتاب القرآن ( فسوف يعلمون ) عاقبة أمرهم ووبال كفرهم ، وفي هذا وعيد شديد ، والظرف في قوله ( إذ الأغلال في أعناقهم ) متعلق بيعلمون : أي فسوف يعلمون وقت كون الأغلال في أعناقهم ( والسلاسل ) معطوف على الأغلال ، والتقدير : إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم ، ويجوز أن يرتفع السلاسل على أنه مبتدأ وخبره محذوف لدلالة في أعناقهم عليه ، ويجوز أن يكون خبره ( يسحبون في الحميم ) بحذف العائد : أي يسحبون بها في الحميم ، وهذا على قراءة الجمهور برفع السلاسل ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وأبو الجوزاء بنصبها ، وقرأوا " يسحبون " بفتح الياء مبنيا للفاعل ، فتكون السلاسل مفعولا مقدما ، وقرأ بعضهم بجر السلاسل . قال الفراء : وهذه القراءة محمولة على المعنى ، إذ المعنى : أعناقهم في الأغلال والسلاسل . وقال الزجاج : المعنى على هذه القراءة : وفي السلاسل يسحبون ، واعترضه ابن الأنباري بأن ذلك لا يجوز في العربية ، ومحل يسحبون على تقدير عطف السلاسل على الأغلال ، وعلى تقدير كونها مبتدأ وخبرها في أعناقهم النصب على الحال ، أو لا محل له ،