أمر الله سبحانه رسوله أن يخبر المشركين بأن الله نهاه عن عبادة غيره وأمره بالتوحيد فقال ( قل إني نهيت أن أعبد
الذين تدعون من دون الله ) وهي الأصنام . ثم بين وجه النهي فقال ( لما جاءني بالبينات من ربي ) وهي الأدلة
العقلية والنقلية ، فإنها توجب التوحيد ( وأمرت أن أسلم لرب العالمين ) أي أستسلم له بالانقياد والخضوع . ثم
أردف هذا بذكر دليل من الأدلة على التوحيد فقال ( هو الذي خلقكم من تراب ) أي خلق أباكم الأول ، وهو
آدم ، وخلقه من تراب يستلزم خلق ذريته منه ( ثم من نطفة ثم من علقة ) قد تقدم تفسير هذا في غير موضع ( ثم
يخرجكم طفلا ) أي أطفالا ، وأفرده لكونه اسم جنس ، أو على معنى يخرج كل واحد منكم طفلا ( ثم لتبلغوا
أشدكم ) وهي الحالة التي تجتمع فيها القوة والعقل ، وقد سبق بيان الأشد مستوفى في الأنعام ، واللام التعليلية في
لتبلغوا معطوفة على علة أخرى ليخرجكم مناسبة لها ، والتقدير : لتكبروا شيئا فشيئا ، ثم لتبلغوا غاية الكمال ،
وقوله ( ثم لتكونوا شيوخا ) معطوف على لتبلغوا ، قرأ نافع وحفص وأبو عمرو وابن محيصن وهشام " شيوخا "
بضم الشين ، وقرأ الباقون بكسرها ، وقرئ وشيخا على الإفراد لقوله طفلا ، والشيخ من جاوز أربعين سنة ( ومنكم
من يتوفى من قبل ) أي من قبل الشيخوخة ( ولتبلغوا أجلا مسمى ) أي وقت الموت أو يوم القيامة ، واللام هي
لام العاقبة ( ولعلكم تعقلون ) أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة ( هو
الذي يحيي ويميت ) أي يقدر على الإحياء والإماتة ( فإذا قضى أمرا ) من الأمور التي يريدها ( فإنما يقول له كن
فيكون ) من غير توقف ، وهو تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات عند تعلق إرادته بها ، وقد تقدم تحقيق معناه
في البقرة وفيما بعدها . ثم عجب سبحانه من أحوال المجادلين في آيات الله فقال ( ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات
الله ) وقد سبق بيان معنى المجادلة ( أنى يصرفون ) أي كيف يصرفون عنها مع قيام الأدلة الدالة على صحتها ، وأنها
في أنفسها موجبة للتوحيد . قال ابن زيد : هم المشركون بدليل قوله ( الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا )
قال القرطبي : وقال أكثر المفسرين نزلت في القدرية . قال ابن سيرين : إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا
أدري فيمن نزلت ، ويجاب عن هذا بأن الله سبحانه قد وصف هؤلاء بصفة تدل على غير ما قالوه فقال ( الذين
كذبوا بالكتاب ) أي بالقرآن ، وهذا وصف لا يصح أن يطلق على فرقة من فرق الإسلام ، والموصول إما في
محل جر على أنه نعت للموصول الأول ، أو بدل منه ، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم ، والمراد بالكتاب
إما القرآن أو جنس الكتب المنزلة من عند الله ، وقوله ( وبما أرسلنا به رسلنا ) معطوف على قوله بالكتاب ، ويراد
به ما يوحى إلى الرسل من غير كتاب إن كانت اللام في الكتاب للجنس أو سائر الكتب إن كان المراد بالكتاب القرآن
( فسوف يعلمون ) عاقبة أمرهم ووبال كفرهم ، وفي هذا وعيد شديد ، والظرف في قوله ( إذ الأغلال في أعناقهم )
متعلق بيعلمون : أي فسوف يعلمون وقت كون الأغلال في أعناقهم ( والسلاسل ) معطوف على الأغلال ،
والتقدير : إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم ، ويجوز أن يرتفع السلاسل على أنه مبتدأ وخبره محذوف لدلالة في
أعناقهم عليه ، ويجوز أن يكون خبره ( يسحبون في الحميم ) بحذف العائد : أي يسحبون بها في الحميم ، وهذا
على قراءة الجمهور برفع السلاسل ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وأبو الجوزاء بنصبها ، وقرأوا
" يسحبون " بفتح الياء مبنيا للفاعل ، فتكون السلاسل مفعولا مقدما ، وقرأ بعضهم بجر السلاسل . قال الفراء :
وهذه القراءة محمولة على المعنى ، إذ المعنى : أعناقهم في الأغلال والسلاسل . وقال الزجاج : المعنى على هذه
القراءة : وفي السلاسل يسحبون ، واعترضه ابن الأنباري بأن ذلك لا يجوز في العربية ، ومحل يسحبون على تقدير
عطف السلاسل على الأغلال ، وعلى تقدير كونها مبتدأ وخبرها في أعناقهم النصب على الحال ، أو لا محل له ،
فتح القدير — صفحة 501
مساهمون: الشوكاني
ص٥٠١