بل هو مستأنف جواب سؤال مقدر ، والحميم هو المتناهي في الحر ، وقيل الصديد وقد تقدم تفسيره ( ثم في النار
يسجرون ) يقال سجرت التنور : أي أوقدته وسجرته ملأته بالوقود ، ومنه - والبحر المسحور - أي المملوء ، فالمعنى :
توقد بهم النار أو تملأ بهم . قال مجاهد ومقاتل : توقد بهم النار فصاروا وقودها ( ثم قيل لهم أينما كنتم تعبدون من
دون الله ) هذا توبيخ وتقريع لهم : أي أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون الله ( قالوا ضلوا عنا ) أي ذهبوا
وفقدناهم فلا نراهم ، ثم أضربوا عن ذلك وانتقلوا إلى الإخبار بعدمهم وأنه لا وجود لهم فقالوا ( بل لم نكن ندعوا
من قبل شيئا ) أي لم نكن نعبد شيئا ، قالوا هذا لما تبين لهم ما كانوا فيه من الضلالة والجهالة وأنهم كانوا يعبدون
ما لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع ، وليس هذا إنكار منهم لوجود الأصنام التي كانوا يعبدونها ، بل اعتراف
منهم بأن عبادتهم إياها كانت باطلة ( كذلك يضل الله الكافرين ) أي مثل ذلك الضلال يضل الله الكافرين حيث
عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار ، والإشارة بقوله ( ذلكم ) إلى الإضلال المدلول عليه بالفعل : أي ذلك
الإضلال بسبب ( ما كنتم تفرحون في الأرض ) أي بما كنتم تظهرون في الدنيا من الفرح بمعاصي الله والسرور
بمخالفة رسله وكتبه ، وقيل بما كنتم تفرحون به من المال والأتباع والصحة ، وقيل بما كنتم تفرحون به من إنكار
البعث ، وقيل المراد بالفرح هنا البطر والتكبر ، وبالمرح الزيادة في البطر . وقال مجاهد وغيره : تمرحون : أي
تبطرون وتأشرون . وقال الضحاك : الفرح والسرور ، والمرح العدوان . وقال مقاتل : المرح : البطر والخيلاء ( ادخلوا
أبواب جهنم ) حال كونكم ( خالدين فيها ) أي مقدرين الخلود فيها ( فبئس مثوى المتكبرين ) عن قبول الحق
جهنم . ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر ، فقال ( فاصبر إن وعد الله حق ) أي وعده بالانتقام
منهم كائن لا محالة ، إما في الدنيا أو في الآخرة ، ولهذا قال ( فإما نرينك بعض الذي نعدهم ) من العذاب في الدنيا
بالقتل والأسر والقهر ، وما في " فإما " زائدة على مذهب المبرد والزجاج ، والأصل فإن نرك ، ولحقت بالفعل
نون التأكيد وقوله ( أو نتوفينك ) معطوف على نرينك : أي أو نتوفينك قبل إنزال العذاب بهم ( فإلينا يرجعون )
يوم القيامة فنعذبهم ( ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ) أي أنبأناك بأخبارهم وما لقوه من
قومهم ( ومنهم من لم نقصص عليك ) خبره ولا أوصلنا إليك علم ما كان بينه وبين قومه ( وما كان لرسول أن يأتي
بآية إلا بإذن الله ) لا من قبل نفسه ، والمراد بالآية المعجزة الدالة على نبوته ( فإذا جاء أمر الله ) أي إذا جاء الوقت
المعين لعذابهم في الدنيا أو في الآخرة ( قضى بالحق ) فيما بينهم فينجي الله بقضائه الحق عباده المحقين ( وخسر هنالك )
أي في ذلك الوقت ( المبطلون ) الذين يتبعون الباطل ويعملون به ، ثم أمتن سبحانه على عباده بنوع من أنواع نعمه التي
لا تحصى فقال ( الله الذي جعل لكم الأنعام ) أي خلقها لأجلكم ، قال الزجاج : الأنعام ها هنا الإبل ، وقيل الأزواج
الثمانية ( لتركبوا منها ) من للتبعيض ، وكذلك في قوله ( ومنها تأكلون ) ويجوز أن تكون لابتداء الغاية في الموضعين
ومعناها ابتداء الركوب وابتداء الأكل ، والأول أولى . والمعنى : لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها ( ولكم فيها
منافع ) أخر غير الركوب والأكل من الوبر والصوف والشعر والزبد والسمن والجبن وغير ذلك ( لتبلغوا عليها
حاجة في صدوركم ) قال مجاهد ومقاتل وقتادة : تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد ، وقد تقدم بيان هذا مستوفى في
سورة النحل ( وعليها وعلى الفلك تحملون ) أي على الإبل في البر ، وعلى السفن في البحر . وقيل المراد بالحمل
على الأنعام هنا حمل الولدان والنساء بالهوادج ( ويريكم آياته ) أي دلالاته الدالة على كمال قدرته ووحدانيته ( فأي
آيات الله تنكرون ) فإنها كلها من الظهور وعدم الخفاء بحيث لا ينكرها منكر ولا يجحدها جاحد ، وفيه تقريع
لهم وتوبيخ عظيم ، ونصب أي يتنكرون ، وإنما قدم على العامل فيه لأن له صدر الكلام . ثم أرشدهم سبحانه إلى
الاعتبار والتفكر في آيات الله فقال ( أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ) من
فتح القدير — صفحة 502
مساهمون: الشوكاني
ص٥٠٢