الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة
منهن . وقيل وجه التقديم أن المرأة هي الأصل في الفعل ، وقيل لأن الشهوة فيها أكثر وعليها أغلب ، وقيل لأن
العار فيهن أكثر إذ موضوعهن الحجبة والصيانة ، فقدم ذكر الزانية تغليظا واهتماما . والخطاب في هذه الآية
للأئمة ومن قام مقامهم ، وقيل للمسلمين أجمعين ، لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعا ، والإمام ينوب عنهم ، إذ
لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود ( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ) يقال رأف يرأف رأفة على وزن فعلة ،
ورأفة على وزن فعالة ، مثل النشأة والنشاءة وكلاهما بمعنى الرقة والرحمة ، وقيل هي أرق الرحمة . وقرأ الجمهور
" رأفة " بسكون الهمزة ، وقرأ ابن كثير بفتحها ، وقرأ ابن جريج " رأفة " بالمد كفعالة ، ومعنى " في دين الله " في
طاعته وحكمه - كما في قوله - ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك - ثم قال مثبتا للمأمورين ومهيجا لهم ( إن كنتم
تؤمنون بالله واليوم الآخر ) كما تقول للرجل تحضه على أمر : إن كنت رجلا فافعل كذا : أي إن كنتم تصدقون
بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال فلا تعطلوا الحدود ( وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) أي ليحضره
زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما وإشهار فضيحتهما ، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشئ ، من
الطوف ، وأقل الطائفة ثلاثة ، وقيل اثنان ، وقيل واحد ، وقيل أربعة ، وقيل عشرة .
ثم ذكر سبحانه شيئا يختص بالزاني والزانية ، فقال ( الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) .
قد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال : الأول أن المقصود منها تشنيع الزنا وتشنيع أهله وأنه
محرم على المؤمنين ، ويكون معنى الزاني لا ينكح : الوطء لا العقد : أي الزاني لا يزني إلا بزانية ، والزانية لا تزني إلا
بزان ، وزاد ذكر المشركة والمشرك لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا . ورد هذا الزجاج وقال : لا يعرف
النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج ، ويرد هذا الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه ،
ومنه قوله - حتى تنكح زوجا غيره - فقد بينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، بأن المراد به الوطء ، ومن جملة
القائلين بأن معنى الزاني لا ينكح إلا زانية الزاني لا يزني إلا بزانية سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة ، كما حكاه
ابن جرير عنهم ، وحكاه الخطابي عن ابن عباس . القول الثاني : أن الآية هذه نزلت في امرأة خاصة كما سيأتي
بيانه فتكون خاصة بها كما قاله الخطابي . القول الثالث : أنها نزلت في رجل من المسلمين ، فتكون خاصة به قاله
مجاهد . الرابع : أنها نزلت في أهل الصفة ، فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح . الخامس : أن المراد بالزاني والزانية
المحدودان حكاه الزجاج وغيره عن الحسن قال : وهذا حكم من الله ، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا
محدودة . وروى نحوه عن إبراهيم النخعي ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي . قال ابن العربي : وهذا معنى لا يصح نظرا
كما لم يثبت نقلا . السادس : أن الآية هذه منسوخة بقوله سبحانه " وأنكحوا الأيامى منكم " . قال النحاس : وهذا
القول عليه أكثر العلماء . القول السابع : أن هذا الحكم مؤسس على الغالب ، والمعنى : أن غالب الزناة لا يرغب
إلا في الزواج بزانية مثله ، وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن ، والمقصود زجر المؤمنين عن
نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا ، وهذا أرجح الأقوال ، وسبب النزول يشهد له كما سيأتي .
وقد اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها ، فقال الشافعي وأبو حنيفة بجواز ذلك . وروي عن
ابن عباس ، وروي عن عمر وابن مسعود وجابر أنه لا يجوز . قال ابن مسعود : إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها
بعد ذلك فهما زانيان أبدا ، وبه قال مالك ، ومعنى ( وحرم ذلك على المؤمنين ) أي نكاح الزواني ، لما فيه من
فتح القدير — صفحة 5
مساهمون: الشوكاني
ص٥