ما هو مجرد رأي بحت . قرأ الجمهور " والمحصنات " بفتح الصاد ، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها . وذهب الجمهور
من العلماء أنه لا حد على من قذف كافرا أو كافرة وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى : إنه يجب
عليه الحد . وذهب الجمهور أيضا أن العبد يجلد أربعين جلدة . وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة :
يجلد ثمانين . قال القرطبي : وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما ، وقد ثبت في
الصحيح عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال .
ثم ذكر سبحانه شرطا لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال ( ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ) أي يشهدون عليهن
بوقوع الزنا منهن ، ولفظ ثم يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف ، وبه قال
الجمهور ، وخالف في ذلك مالك . وظاهر الآية أنه يجوز أن يكون الشهود مجتمعين ومفترقين ، وخالف في ذلك
الحسن ومالك ، وإذا لم تكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف . وقال الحسن والشعبي : إنه لا حد
على الشهود ولا على المشهود عليه ، وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن . ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي
الله عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا ، ولم يخالف في ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنه . قرأ
الجمهور " بأربعة شهداء " بإضافة أربعة إلى شهداء ، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وأبو زرعة بن عمرو بتنوين
أربعة .
وقد اختلف في إعراب شهداء على هذه القراءة ، فقيل هو تمييز . ورد بأن المميز من ثلاثة إلى عشرة يضاف
إليه العدد كما هو مقرر في علم النحو . وقيل إنه في محل نصب على الحال . ورد بأن الحال لا يجيء من النكرة
التي لم تخصص . وقيل إن شهداء في محل جر نعتا لأربعة ، ولما كان فيه ألف التأنيث لم ينصرف . وقال النحاس :
يجوز أن يكون شهداء في موضع نصب على المفعولية : أي ثم لم يحضروا أربعة شهداء ، وقد قوى ابن جني هذه
القراءة ، ويدفع ذلك قول سيبويه إن تنوين العدد وترك إضافته إنما يجوز في الشعر . ثم بين سبحانه ما يجب على
القاذف فقال ( فاجلدوهم ثمانين جلدة ) الجلد الضرب كما تقدم ، والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود ، ثم
أستعير للضرب بالعصى والسيف وغيرهما ، ومنه قول قيس بن الخطيم :
أجالدهم يوم الحديقة حاسرا * كأن يدي بالسيف مخراق لاعب
وقد تقدم بيان الجلد قريبا ، وانتصاب ثمانين كانتصاب المصادر ، وجلدة منتصبة على التمييز ، وجملة ( ولا
تقبلوا لهم شهادة أبدا ) معطوفة على اجلدوا : أي فاجمعوا لهم بين الأمرين : الجلد ، وترك قبول الشهادة ، لأنهم قد
صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية . واللام في لهم متعلقة بمحذوف هو
حال من شهادة ولو تأخرت عليها لكانت صفة لها ، ومعنى " أبدا " : ما داموا في الحياة . ثم بين سبحانه حكمهم بعد
صدور القذف منهم وإصرارهم عليه وعدم رجوعهم إلى التوبة فقال ( وأولئك هم الفاسقون ) وهذه جملة مستأنفة
مقررة لما قبلها ، والفسق هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة الحد بالمعصية ، وجوز أبو البقاء أن تكون هذه الجملة
في محل نصب على الحال . ثم بين سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال ( إلا الذين
تابوا ) وهذه الجملة في محل نصب على الاستثناء ، لأنه من موجب ، وقيل يجوز أن يكون في موضع خفض على
البدل ، ومعنى التوبة قد تقدم تحقيقه ، ومعنى ( من بعد ذلك ) من بعد اقترافهم الذنب القذف ، ومعنى ( وأصلحوا )
إصلاح أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف ومداركة ذلك بالتوبة والانقياد للحد .
فتح القدير — صفحة 8
مساهمون: الشوكاني
ص٨