وجاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله ( أنزلناها ) والخبر ( الزانية والزاني ) ويكون المعنى : السورة المنزلة
المفروضة كذا وكذا ، إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختم ، وهذا معنى صحيح ، ولا وجه لما قاله
الأولون من تعليل المنع من الابتداء بها كونها نكرة فهي نكرة مخصصة بالصفة ، وهو مجمع على جواز الابتداء
بها . وقيل هي مبتدأ محذوف الخبر على تقدير : فيما أوحينا إليك سورة ، ورد بأن مقتضى المقام ببيان شأن هذه
السورة الكريمة ، لا بيان أن في جملة ما أوحى إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سورة شأنها كذا وكذا . وقرأ
الحسن بن عبد العزيز وعيسى الثقفي وعيسى الكوفي ومجاهد وأبو حيوة وطلحة بن مصرف بالنصب ، وفيه
أوجه : الأول أنها منصوبة بفعل مقدر غير مفسر بما بعده ، تقديره أتل سورة ، أو اقرأ سورة . والثاني أنها
منصوبة بفعل مضمر يفسره ما بعده على ما قيل في باب اشتغال الفعل عن الفاعل بضميره : أي أنزلنا سورة أنزلناها ،
فلا محل لأنزلناها هاهنا لأنها جملة مفسرة ، بخلاف الوجه الذي قبله فإنها في محل نصب على أنها صفة لسورة . الوجه
الثالث أنها منصوبة على الإغراء : أي دونك سورة قاله صاحب الكشاف . ورده أبو حيان بأنه لا يجوز حذف
أداة الإغراء . الرابع أنها منصوبة على الحال من ضمير أنزلناها ، قال الفراء : هي حال من الهاء والألف والحال من
المكنى يجوز أن تتقدم عليه ، وعلى هذا فالضمير في أنزلناها ليس عائدا على سورة ، بل على الأحكام ، كأنه
قيل : أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن . قرأ ابن كثير وأبو عمرو ( وفرضناها ) بالتشديد ، وقرأ
الباقون بالتخفيف . قال أبو عمرو : فرضناها بالتشديد : أي قطعناها في الإنزال نجما نجما ، والفرض القطع ،
ويجوز أن يكون التشديد للتكثير أو للمبالغة ، ومعنى التخفيف أوجبناها وجعلناها مقطوعا بها ، وقيل ألزمناكم
العمل بها ، وقيل قدرنا ما فيها من الحدود ، والفرض التقدير ، ومنه - إن الذي فرض عليك القرآن _ ( وأنزلنا فيها
آيات بينات ) أي أنزلنا في غضونها وتضاعيفها ، ومعنى كونها بينات أنها واضحة الدلالة على مدلولها ، وتكرير
أنزلنا لكمال العناية بإنزال هذه السورة ، لما اشتملت عليه من الأحكام ( الزانية والزاني ) ، هذا شروع في تفصيل
ما أجمل من الآيات البينات ، والارتفاع على الابتداء ، والخبر ( فاجلدوا كل واحد منهما ) أو على الخبرية لسورة
كما تقدم ، والزنا هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح . وقيل هو إيلاج فرج في فرج
مشتهى طبعا محرم شرعا ، والزانية هي المرأة المطاوعة للزنا الممكنة منه كما تنبئ عنه الصيغة لا المكرهة ، وكذلك
الزاني ، ودخول الفاء في الخبر لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش ، وأما على مذهب سيبويه فالخبر
محذوف ، والتقدير : فيما يتلى عليكم حكم الزانية ، ثم بين ذلك بقوله ( فاجلدوا ) والجلد الضرب ، يقال : جلده
إذا ضرب جلده ، مثل بطنه إذا ضرب بطنه ، ورأسه إذا ضرب رأسه ، وقوله ( مائة جلدة ) هو حد الزاني الحر
البالغ البكر ، وكذلك الزانية ، وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد ، وهي تغريب عام ، وأما المملوك والمملوكة
فجلد كل واحد منهما خمسون جلدة لقوله سبحانه " فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب "
وهذا نص في الإماء ، وألحق بهن العبيد لعدم الفارق ، وأما من كان محصنا من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة
المتواترة وبإجماع أهل العلم بل وبالقرآن المنسوخ لفظه الباقي حكمه وهو " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة "
وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة ، وقد أوضحنا ما هو الحق في ذلك في شرحنا للمنتقى ، وقد مضى الكلام
في حد الزنا مستوفى ، وهذه الآية ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء . وقرأ عيسى بن عمر الثقفي
ويحيى بن يعمر وأبو جعفر وأبو شيبة " الزانية والزاني " بالنصب ، قيل وهو القياس عند سيبويه لأنه عنده كقولك زيدا
اضرب . وأما الفراء والمبرد والزجاج فالرفع عندهم أوجه وبه قرأ الجمهور . ووجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن
فتح القدير — صفحة 4
مساهمون: الشوكاني
ص٤