هذا بالثواب ، وهذا بالعقاب . وقرئ " بكافي عباده " بالإضافة ، وقرئ " يكافي " بصيغة المضارع ، وقوله
( ويخوفونك بالذين من دونه ) يجوز أن يكون في محل نصب على الحال ، إذ المعنى أليس كافيك حال تخويفهم
إياك ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، والذين من دونه عبارة عن المعبودات التي يعبدونها ( ومن يضلل الله فما له من
هاد ) أي من حق عليه القضاء بضلاله فماله من هاد يهديه إلى الرشد ويخرجه من الضلالة ، ( ومن يهد الله فماله
من مضل ) يخرجه من الهداية ويوقعه في الضلالة ( أليس الله بعزيز ) أي غالب لكل شئ قاهر له ( ذي انتقام )
ينتقم من عصاته بما يصبه عليهم من عذابه وما ينزله بهم من سوط عقابه ( ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض
ليقولن الله ) ذكر سبحانه اعترافهم إذا سئلوا عن الخالق بأن الله سبحانه مع عبادتهم للأوثان ، واتخاذهم الآلهة
من دون الله ، وفي هذا أعظم دليل على أنهم كانوا في غفلة شديدة وجهالة عظيمة لأنهم إذا علموا أن الخالق لهم
ولما يعبدون من دون الله هو الله سبحانه ، فكيف استحسنت عقولهم عبادة غير خالق الكل وتشريك مخلوق مع
خالقه في العبادة ؟ وقد كانوا يذكرون بحسن العقول وكمال الإدراك والفطنة التامة ، ولكنهم لما قلدوا أسلافهم
وأحسنوا الظن بهم هجروا ما يقتضيه العقل ، وعملوا بما هو محض الجهل . ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يبكتهم
بعد هذا الاعتراف ويوبخهم فقال ( قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره )
أي أخبروني عن آلهتكم هذه هل تقدر على كشف ما أراده الله بي من الضر ، والضر هو الشدة أو أعلى ( أو أرادني
برحمة هل هن ممسكات رحمته ) عنى بحيث لا تصل إلي ، والرحمة النعمة والرخاء . قرأ الجمهور ممسكات وكاشفات
في الموضعين بالإضافة وقرأهما أبو عمرو بالتنوين . قال مقاتل : لما نزلت هذه الآية سألهم النبي صلى الله عليه وآله
وسلم فسكتوا ، وقال غيره : قالوا لا تدفع شيئا من قدر الله ولكنها تشفع ، فنزل ( قل حسبي الله ) في جميع أموري
في جلب النفع ودفع الضر ( عليه يتوكل المتوكلون ) أي عليه ، لا على غيره يعتمد المعتمدون ، واختار أبو عبيد
وأبو حاتم قراءة أبي عمرو ، لأن كاشفات اسم فاعل في معنى الاستقبال ، وما كان كذلك فتنوينه أجود ، وبها قرأ
الحسن وعاصم ثم أمره سبحانه أن يهددهم ويتوعدهم فقال ( قل يا قوم اعملوا على مكانتكم ) أي على حالتكم التي
أنتم عليها وتمكنتم منها ( إني عامل ) أي على حالتي التي أنا عليها وتمكنت منها ، وحذف ذلك للعلم به مما قبله ( فسوف
تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ) أي يهينه ويذله في الدنيا ، فيظهر عند ذلك أنه المبطل وخصمه المحق ، والمراد بهذا
العذاب عذاب الدنيا وما حل بهم من القتل والأسر والقهر والذلة . ثم ذكر عذاب الآخرة فقال ( ويحل عليه
عذاب مقيم ) أي دائم مستمر في الدار الآخرة ، وهو عذاب النار . ثم لما كان يعظم على رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم إصرارهم على الكفر أخبره بأنه لم يكلف إلا بالبيان ، لا بأن يهدي من ضل ، فقال ( إنا أنزلنا عليك
الكتاب للناس ) أي لأجلهم ولبيان ما كلفوا به ، و ( بالحق ) حال من الفاعل أو المفعول : أي محقين أو ملتبسا
بالحق ( فمن اهتدى ) طريق الحق وسلكها ( فلنفسه ومن ضل ) عنها ( فإنما يضل عليها ) أي على نفسه ، فضرر
ذلك عليه لا يتعدى إلى غيره ( وما أنت عليهم بوكيل ) أي بمكلف بهدايتهم مخاطب بها ، بل ليس عليك إلا البلاغ
وقد فعلت . وهذه الآيات هي منسوخة بآية السيف ، فقد أمر الله رسوله بعد هذا أن يقاتلهم حتى يقولوا لا إله إلا
الله ويعملوا بأحكام الإسلام . ثم ذكر سبحانه نوعا من أنواع قدرته البالغة وصنعته العجيبة فقال ( الله يتوفى
الأنفس حين موتها ) أي يقبضها عند حضور أجلها ويخرجها من الأبدان ( والتي لم تمت في منامها ) أي ويتوفى
الأنفس التي لم تمت : أي لم يحضر أجلها في منامها .
وقد اختلف في هذا ، فقيل يقبضها عن التصرف مع بقاء الروح في الجسد . وقال الفراء : المعنى ويقبض التي
فتح القدير — صفحة 465
مساهمون: الشوكاني
ص٤٦٥