أن يكون القضاء لهم ، ثم قضى بينهم بالحق . وقيل إن السبب أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد .
وقيل إنه تزوج جرادة هذه وهي مشركة لأنه عرض عليها الإسلام فقالت : اقتلني ولا أسلم . وقال كعب الأحبار :
إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه . وقال الحسن : إنه قارب بعض نسائه في شئ من حيض أو غيره . وقيل إنه
أمر أن لا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل فتزوج امرأة من غيرهم . وقيل إن سبب فتنته ما ثبت في الحديث الصحيح
أنه قال : لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله ، ولم يقل إن شاء الله . وقيل
غير ذلك . ثم بين سبحانه ما عاقبه به فقال ( وألقينا على كرسيه جسدا ) انتصاب جسدا على أنه مفعول ألقينا ، وقيل
انتصابه على الحال على تأويله بالمشتق : أي ضعيفا أو فارغا ، والأول أولى . قال أكثر المفسرين : هذا الجسد
الذي ألقاه الله على كرسي سليمان هو شيطان اسمه صخر ، وكان متمردا عليه غير داخل في طاعته ، ألقى الله شبه سليمان
عليه وما زال يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان ، وذلك عند دخول سليمان الكنيف لأنه كان يلقيه إذ دخل الكنيف ،
فجاء صخر في صورة سليمان فأخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان ، فقعد على سرير سليمان وأقام أربعين يوما على
ملكه وسليمان هارب . وقال مجاهد : إن شيطانا قال له سليمان : كيف تفتنون الناس ؟ قال : أرني خاتمك أخبرك ،
فلما أعطاه إياه نبذه في البحر ، فذهب ملكه وقعد الشيطان على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن ، وكان
سليمان يستطعم فيقول : أتعرفونني أطعموني ؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه في بطنه
فرجع إليه ملكه ، وهو معنى قوله ( ثم أناب ) أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما . وقيل معنى أناب : رجع إلى
الله بالتوبة من ذنبه ، وهذا هو الصواب ، وتكون جملة ( قال رب اغفر لي ) بدلا من جملة أناب وتفسيرا له :
أي اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله . ثم لما قدم التوبة والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة
طلبته فقال ( وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) قال أبو عبيدة : معنى لا ينبغي لأحد من بعده : لا يكون
لأحد من بعدي ، وقيل المعنى : لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة ، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته
وليس هذا من سؤال نبي الله سليمان عليه السلام للدنيا وملكها والشرف بين أهلها ، بل المراد بسؤاله الملك أن يتمكن
به من إنفاذ أحكام الله سبحانه ، والأخذ على يد المتمردين من عباده من الجن والإنس ، ولو لم يكن من المقتضيات
لهذا السؤال منه إلا ما رآه عند قعود الشيطان على كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد الله ، وجملة ( إنك
أنت الوهاب ) تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة الله له وهبة الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده : أي فإنك كثير الهبات
عظيم الموهوبات . ثم ذكر سبحانه إجابته لدعوته وإعطاءه لمسألته فقال ( فسخرنا له الريح ) أي ذللناها له وجعلناها
منقادة لأمره . ثم بين كيفية التسخير لها بقوله ( تجري بأمره رخاء ) أي لينة الهبوب ليست بالعاصف ، مأخوذ من
الرخاوة ، والمعنى أنها ريح لينة لا تزعزع ولا تعصف مع قوة هبوبها وسرعة جريها ، ولا ينافي هذا قوله في آية
أخرى - ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره - لأن المراد أنها في قوة العاصفة ولا تعصف . وقيل إنها كانت تارة
رخاء ، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان ويشتهيه ، وهذا أولى في الجمع بين الآيتين ( حيث أصاب ) أي حيث
أراد . قال الزجاج : إجماع أهل اللغة والمفسرين أن معنى حيث أصاب : حيث أراد ، وحقيقته حيث قعد . وقال
الأصمعي وابن الأعرابي : العرب تقول : أصاب الصواب وأخطأ الجواب . وقيل إن معنى أصاب بلغة حمير أراد
وليس من لغة العرب ، وقيل هو بلسان هجر ، والأول أولى ، وهو مأخوذ من إصابة السهم للغرض ( والشياطين )
معطوف على الريح : أي وسخرنا له الشياطين ، وقوله ( كل بناء وغواص ) بدل من الشياطين : أي كل بناء
فتح القدير — صفحة 433
مساهمون: الشوكاني
ص٤٣٣