تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
أن يكون القضاء لهم ، ثم قضى بينهم بالحق . وقيل إن السبب أنه احتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يقضي بين أحد . وقيل إنه تزوج جرادة هذه وهي مشركة لأنه عرض عليها الإسلام فقالت : اقتلني ولا أسلم . وقال كعب الأحبار : إنه لما ظلم الخيل بالقتل سلب ملكه . وقال الحسن : إنه قارب بعض نسائه في شئ من حيض أو غيره . وقيل إنه أمر أن لا يتزوج امرأة إلا من بني إسرائيل فتزوج امرأة من غيرهم . وقيل إن سبب فتنته ما ثبت في الحديث الصحيح أنه قال : لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تأتي كل واحدة بفارس يقاتل في سبيل الله ، ولم يقل إن شاء الله . وقيل غير ذلك . ثم بين سبحانه ما عاقبه به فقال ( وألقينا على كرسيه جسدا ) انتصاب جسدا على أنه مفعول ألقينا ، وقيل انتصابه على الحال على تأويله بالمشتق : أي ضعيفا أو فارغا ، والأول أولى . قال أكثر المفسرين : هذا الجسد الذي ألقاه الله على كرسي سليمان هو شيطان اسمه صخر ، وكان متمردا عليه غير داخل في طاعته ، ألقى الله شبه سليمان عليه وما زال يحتال حتى ظفر بخاتم سليمان ، وذلك عند دخول سليمان الكنيف لأنه كان يلقيه إذ دخل الكنيف ، فجاء صخر في صورة سليمان فأخذ الخاتم من امرأة من نساء سليمان ، فقعد على سرير سليمان وأقام أربعين يوما على ملكه وسليمان هارب . وقال مجاهد : إن شيطانا قال له سليمان : كيف تفتنون الناس ؟ قال : أرني خاتمك أخبرك ، فلما أعطاه إياه نبذه في البحر ، فذهب ملكه وقعد الشيطان على كرسيه ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن ، وكان سليمان يستطعم فيقول : أتعرفونني أطعموني ؟ فيكذبوه حتى أعطته امرأة يوما حوتا فشق بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه ، وهو معنى قوله ( ثم أناب ) أي رجع إلى ملكه بعد أربعين يوما . وقيل معنى أناب : رجع إلى الله بالتوبة من ذنبه ، وهذا هو الصواب ، وتكون جملة ( قال رب اغفر لي ) بدلا من جملة أناب وتفسيرا له : أي اغفر لي ما صدر عني من الذنب الذي ابتليتني لأجله . ثم لما قدم التوبة والاستغفار جعلها وسيلة إلى إجابة طلبته فقال ( وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) قال أبو عبيدة : معنى لا ينبغي لأحد من بعده : لا يكون لأحد من بعدي ، وقيل المعنى : لا ينبغي لأحد أن يسلبه مني بعد هذه السلبة ، أو لا يصح لأحد من بعدي لعظمته وليس هذا من سؤال نبي الله سليمان عليه السلام للدنيا وملكها والشرف بين أهلها ، بل المراد بسؤاله الملك أن يتمكن به من إنفاذ أحكام الله سبحانه ، والأخذ على يد المتمردين من عباده من الجن والإنس ، ولو لم يكن من المقتضيات لهذا السؤال منه إلا ما رآه عند قعود الشيطان على كرسيه من الأحكام الشيطانية الجارية في عباد الله ، وجملة ( إنك أنت الوهاب ) تعليل لما قبلها مما طلبه من مغفرة الله له وهبة الملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده : أي فإنك كثير الهبات عظيم الموهوبات . ثم ذكر سبحانه إجابته لدعوته وإعطاءه لمسألته فقال ( فسخرنا له الريح ) أي ذللناها له وجعلناها منقادة لأمره . ثم بين كيفية التسخير لها بقوله ( تجري بأمره رخاء ) أي لينة الهبوب ليست بالعاصف ، مأخوذ من الرخاوة ، والمعنى أنها ريح لينة لا تزعزع ولا تعصف مع قوة هبوبها وسرعة جريها ، ولا ينافي هذا قوله في آية أخرى - ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره - لأن المراد أنها في قوة العاصفة ولا تعصف . وقيل إنها كانت تارة رخاء ، وتارة عاصفة على ما يريده سليمان ويشتهيه ، وهذا أولى في الجمع بين الآيتين ( حيث أصاب ) أي حيث أراد . قال الزجاج : إجماع أهل اللغة والمفسرين أن معنى حيث أصاب : حيث أراد ، وحقيقته حيث قعد . وقال الأصمعي وابن الأعرابي : العرب تقول : أصاب الصواب وأخطأ الجواب . وقيل إن معنى أصاب بلغة حمير أراد وليس من لغة العرب ، وقيل هو بلسان هجر ، والأول أولى ، وهو مأخوذ من إصابة السهم للغرض ( والشياطين ) معطوف على الريح : أي وسخرنا له الشياطين ، وقوله ( كل بناء وغواص ) بدل من الشياطين : أي كل بناء