من تكذيب الرسل والاستهزاء بهم ، وأن ذلك هو سبب التحسر عليهم . ثم عجب سبحانه من حالهم حيث لم يعتبروا
بأمثالهم من الأمم الخالية فقال ( ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون ) أي ألم يعلموا كثرة من أهلكنا قبلهم من
القرون التي أهلكناها من الأمم الخالية ، وجملة ( إنهم إليهم لا يرجعون ) بدل من كم أهلكنا على المعنى . قال
سيبويه : أن بدل من كم ، وهي الخبرية ، فلذلك جاز أن يبدل منها ما ليس باستفهام ، والمعنى : ألم يروا أن
القرون الذين أهلكناهم أنهم إليهم لا يرجعون . وقال الفراء : كم في موضع نصب من وجهين : أحدهما بيروا ،
واستشهد على هذا بأنه في قراءة ابن مسعود " ألم يروا من أهلكنا " والوجه الآخر أن تكون كم في موضع نصب
بأهلكنا . قال النحاس : القول الأول محال ، لأن كم لا يعمل فيها ما قبلها لأنها استفهام ، ومحال أن يدخل الاستفهام
في حيز ما قبله ، وكذا حكمها إذا كانت خبرا ، وإن كان سيبويه قد أومأ إلى بعض هذا فجعل أنهم بدلا من كم ،
وقد رد ذلك المبرد أشد رد ( وإن كل لما جميع لدينا محضرون ) أي محضرون لدينا يوم القيامة للجزاء . قرأ ابن
عامر وعاصم وحمزة لما بتشديدها ، وقرأ الباقون بتخفيفها . قال الفراء : من شدد جعل لما بمعنى إلا ، وإن بمعنى ما :
أي ما كل إلا جميع لدينا محضرون ، ومعنى جميع مجموعون ، فهو فعيل بمعنى مفعول ، ولدينا ظرف له ، وأما على
قراءة التخفيف فإن هي المخففة من الثقيلة ، وما بعدها مرفوع بالابتداء ، وتنوين " كل " عوض عن المضاف إليه
وما بعده الخبر ، واللام هي الفارقة بين المخففة والنافية . قال أبو عبيدة : وما على هذه القراءة زائدة ، والتقدير
عنده : وإن كل لجميع . وقيل معنى محضرون معذبون ، والأولى أنه على معناه الحقيقي من الإحضار للحساب .
ثم ذكر سبحانه البرهان على التوحيد والحشر مع تعداد النعم وتذكيرها فقال ( وآية لهم الأرض الميتة ) فآية خبر مقدم
وتنكيرها للتفخيم ولهم صفتها ، أو متعلقة بآية لأنها بمعنى علامة ، والأرض مبتدأ ، ويجوز أن تكون آية مبتدأ
لكونها قد تخصصت بالصفة ، وما بعدها الخبر . قرأ أهل المدينة " الميتة " بالتشديد وخففها الباقون ، وجملة
( أحييناها ) مستأنفة مبينة لكيفية كونها آية ، وقيل هي صفة للأرض فنبههم الله بهذا على إحياء الموتى وذكرهم
نعمه وكمال قدرته ، فإنه سبحانه أحيا الأرض بالنبات . وأخرج منها الحبوب التي يأكلونها ويتغذون بها ، وهو
معنى قوله ( وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون ) وهو ما يقتاتونه من الحبوب ، وتقديم منه للدلالة على أن الحب معظم
ما يؤكل وأكثر ما يقوم به المعاش ( وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب ) أي جعلنا في الأرض جنات من أنواع
النخل والعنب ، وخصصهما بالذكر لأنهما أعلى الثمار وأنفعها للعباد ( وفجرنا فيها من العيون ) أي فجرنا في الأرض
بعضا من العيون ، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه ، أو المفعول العيون ، ومن مزيدة على رأي من جوز
زيادتها في الإثبات وهو الأخفش ومن وافقه ، والمراد بالعيون عيون الماء . قرأ الجمهور " فجرنا " بالتشديد ، وقرأ
جناح بن حبيش بالتخفيف ، والفجر والتفجير كالفتح والتفتيح لفظا ومعنى ، واللام في ( ليأكلوا من ثمره ) متعلق
بجعلنا ، والضمير في " من ثمره " يعود إلى المذكور من الجنات والنخيل ، وقيل هو راجع إلى ماء العيون لأن الثمر منه ،
قاله الجرجاني . قرأ الجمهور " ثمره " بفتح الثاء والميم ، وقرأ حمزة والكسائي بضمهما ، وقرأ الأعمش بضم الثاء
وإسكان الميم ، وقد تقدم الكلام في هذا في الأنعام ، وقوله ( وما عملته أيديهم ) معطوف على ثمره : أي ليأكلوا
من ثمره ويأكلوا مما عملته أيديهم كالعصير والدبس ونحوهما ، وكذلك ما غرسوه وحفروه على أن ما موصولة ،
وقيل هي نافية ، والمعنى : لم يعملوه ، بل العامل له هو الله : أي وجدوها معمولة ولا صنع لهم فيها ، وهو قول
الضحاك ومقاتل . قرأ الجمهور " عملته " وقرأ الكوفيون " عملت " بحذف الضمير ، والاستفهام في قوله ( أفلا
يشكرون ) للتقريع والتوبيخ لهم لعدم شكرهم للنعم ، وجملة ( سبحان الذي خلق الأزواج كلها ) مستأنفة مسوقة
فتح القدير — صفحة 368
مساهمون: الشوكاني
ص٣٦٨