تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
بنظيره لها كما في قوله - وضربنا لكم الأمثال - أي بينا لكم أحوالا بديعة غريبة : هي في الغرابة كالأمثال ، فقوله سبحانه هنا ( واضرب لهم مثلا ) يصح اعتبار الأمرين فيه . قال القرطبي : هذه القرية هي أنطاكية في قول جميع المفسرين ، وقوله ( إذ جاءها المرسلون ) بدل اشتمال من أصحاب القرية ، والمرسلون : هم أصحاب عيسى بعثهم إلى أهل أنطاكية للدعاء إلى الله ، فأضاف الله سبحانه الإرسال إلى نفسه في قوله ( إذ أرسلنا إليهم اثنين ) لأن عيسى أرسلهم بأمر الله سبحانه ، ويجوز أن يكون الله أرسلهم بعد رفع عيسى إلى السماء ، فكذبوهما في الرسالة ، وقيل ضربوهما وسجنوهما . قيل واسم الاثنين يوحنا وشمعون . وقيل أسماء الثلاثة صادق ومصدوق وشلوم قاله ابن جرير وغيره . وقيل سمعان ويحيى وبولس ( فعززنا بثالث ) قرأ الجمهور بالتشديد ، وقرأ أبو بكر عن عاصم بتخفيف الزاي . قال الجوهري " فعززنا " يخفف ويشدد : أي قوينا وشددنا فالقراءتان على هذا بمعنى . وقيل التخفيف بمعنى غلبنا وقهرنا ، ومنه - وعزني في الخطاب - والتشديد بمعنى قوينا وكثرنا . قيل وهذا الثالث هو شمعون ، وقيل غيره ( فقالوا إنا إليكم مرسلون ) أي قال الثلاثة جميعا ، وجاءوا بكلامهم هذا مؤكدا لسبق التكذيب للاثنين ، والتكذيب لهما تكذيب للثالث ، لأنهم أرسلوا جميعا بشئ واحد ، وهو الدعاء إلى الله عز وجل ، وهذه الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر ، كأنه قيل : ما قال هؤلاء الرسل بعد التعزيز لهم بثالث ؟ وكذلك جملة ( قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا ) فإنها مستأنفة جواب سؤال مقدر : كأنه قيل فما قال لهم أهل أنطاكية ، فقيل : قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا : أي مشاركون لنا في البشرية ، فليس لكم مزية علينا تختصون بها . ثم صرحوا بجحود إنزال الكتب السماوية فقالوا ( وما أنزل الرحمن من شئ ) مما تدعونه أنتم ويدعيه غيركم ممن قبلكم من الرسل وأتباعهم ( إن أنتم إلا تكذبون ) أي ما أنتم إلا تكذبون في دعوى ما تدعون من ذلك ، فأجابوهم بإثبات رسالتهم بكلام مؤكد تأكيدا بليغا لتكرر الإنكار من أهل أنطاكية ، وهو قولهم ( ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون ) فأكدوا الجواب بالقسم الذي يفهم من قولهم : ربنا يعلم ، وبان ، وباللام ( وما علينا إلا البلاغ المبين ) أي ما يجب علينا من جهة ربنا إلا تبليغ رسالته على وجه الظهور والوضوح وليس علينا غير ذلك ، وهذه الجملة مستأنفة كالتي قبلها ، وكذلك جملة ( قالوا إنا تطيرنا بكم ) فإنها مستأنفة جوابا عن سؤال مقدر : أي إنا تشاءمنا بكم ، لم تجدوا جوابا تجيبون به على الرسل إلا هذا الجواب المبني على الجهل المنبئ عن الغباوة العظيمة ، وعدم وجود حجة تدفعون الرسل بها . قال مقاتل : حبس عنهم المطر ثلاث سنين . قيل إنهم أقاموا ينذرونهم عشر سنين ، ثم رجعوا إلى التجبر والتكبر لما ضاقت صدورهم وأعيتهم العلل فقالوا ( لئن لم تنتهوا لنرجمنكم ) أي لئن لم تتركوا هذه الدعوى وتعرضوا عن هذه المقالة لنرجمنكم بالحجارة ( وليمسنكم منا عذاب أليم ) أي شديد فظيع . قال الفراء : عامة ما في القرآن من الرجم المراد به القتل . وقال قتادة : هو على بابه من الرجم بالحجارة . قيل ومعنى العذاب الأليم : القتل ، وقيل الشتم ، وقيل هو التعذيب المؤلم من غير تقييد بنوع خاص وهذا هو الظاهر . ثم أجاب عليهم الرسل دفعا لما زعموه من التطير بهم ف ( قالوا طائركم معكم ) أي شؤمكم معكم من جهة أنفسكم ، لازم في أعناقكم ، وليس هو من شؤمنا . قال الفراء : طائركم معكم : أي رزقكم وعملكم وبه قال قتادة . قرأ الجمهور " طائركم " اسم فاعل : أي ما طار لكم من الخير والشر ، وقرأ الحسن " أطيركم " أي تطيركم ( أئن ذكرتم ) قرأ الجمهور من السبعة وغيرهم بهمزة استفهام بعدها إن الشرطية على الخلاف بينهم في التسهيل والتحقيق ، وإدخال ألف بين الهمزتين وعدمه . وقرأ أبو جعفر وزر بن حبيش وابن السميفع وطلحة بهمزتين مفتوحتين . وقرأ الأعمش وعيسى بن عمر والحسن " أين " بفتح الهمزة وسكون الباء على صيغة الظرف .