وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة ؟ فقيل هي منسوخة بآية المواريث . وقيل محكمة
وللقريب في مال قريبه الغني حق واجب ، وبه قال مجاهد وقتادة . قال مجاهد : لا تقبل صدقة من أحد ورحمه
محتاج . قال مقاتل : حق المسكين أن يتصدق عليه ، وحق ابن السبيل الضيافة . وقيل المراد بالقربى قرابة النبي صلى
الله عليه وآله وسلم . قال القرطبي : والأول أصح ، فإن حقهم مبين في كتاب الله عز وجل في قوله - فإن لله
خمسه وللرسول ولذي القربى - وقال الحسن : إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب ( ذلك خير للذين يريدون وجه
الله ) أي ذلك الإيتاء أفضل من الإمساك لمن يريد التقرب إلى الله سبحانه ( وأولئك هم المفلحون ) أي الفائزون
بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه الله امتثالا لأمره ( وما آتيتم من ربا ) قرأ الجمهور " آتيتم " بالمد بمعنى أعطيتم ، وقرأ
مجاهد وحميد وابن كثير بالقصر بمعنى ما فعلتم ، وأجمعوا على القراءة بالمد في قوله " وما آتيتم من زكاة " وأصل
الربى الزيادة ، وقراءة القصر تئول إلى قراءة المد ، لأن معناها ما فعلتم على وجه الإعطاء ، كما تقول : أتيت خطأ
وأتيت صوابا ، والمعنى في الآية : ما أعطيتم من زيادة خالية عن العوض ( ليربو في أموال الناس ) أي ليزيد
ويزكوا في أموالهم ( فلا يربو عند الله ) أي لا يبارك الله فيه . قال السدي : الربا في هذا الموضع الهداية يهديها
الرجل لأخيه يطلب المكافأة ، لأن ذلك لا يربو عند الله لا يؤجر عليه صاحبه ولا إثم عليه ، وهكذا قال قتادة
والضحاك . قال الواحدي : وهذا قول جماعة المفسرين . قال الزجاج : يعني دفع الإنسان الشئ ليعوض أكثر
منه وذلك ليس بحرام ، ولكنه لا ثواب فيه ، لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه . وقال الشعبي : معنى الآية
أن ما خدم به الإنسان أحدا لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزى به الخدمة لا يربو عند الله . وقيل هذا
كان حراما على النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الخصوص لقوله سبحانه - ولا تمنن تستكثر - ومعناها : أن
تعطي فتأخذ أكثر منه عوضا عنه . وقيل إن هذه الآية نزلت في هبة الثواب . قال ابن عطية : وما يجري مجراه مما
يصنعه الإنسان ليجازي عليه . قال عكرمة : الربا ربوان : فربا حلال ، وربا حرام . فأما الربا الحلال فهو الذي
يهدى يلتمس ما هو أفضل منه : يعني كما في هذه الآية . وقيل إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا المحرم ، فمعنى
لا يربو عند الله على هذا القول لا يحكم به ، بل هو للمأخوذ منه .
قال المهلب : اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب بها الثواب ، فقال مالك : ينظر فيه ، فإن كان مثله ممن
يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك ، مثل هبة الفقير للغني ، وهبة الخادم للمخدوم ، وهبة الرجل لأميره ،
وهو أحد قولي الشافعي . وقال أبو حنيفة : لا يكون له ثواب إذا لم يشترط ، وهو قول الشافعي الآخر . قرأ الجمهور
" ليربو " بالتحتية على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا . وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية مضمومة خطابا للجماعة بمعنى
لتكونوا ذوي زيادات . وقرأ أبو مالك " لتربوها " ومعنى الآية : أنه لا يزكو عند الله ولا يثيب عليه لأنه لا يقبل
إلا ما أريد به وجهه خالصا له ( وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ) أي وما أعطيتم من صدقة لا تطلبون بها
المكافأة ، وإنما تقصدون بها ما عند الله ( فأولئك هم المضعفون ) المضعف دون الأضعاف من الحسنات الذين
يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف . قال الفراء : هو نحو قولهم : مسمن ومعطش ومضعف إذا كانت
له إبل سمان ، أو عطاش ، أو ضعيفة . وقرأ أبي " المضعفون " بفتح العين اسم مفعول ( الله الذي خلقكم ثم رزقكم
ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ ) عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين ، وأنه
الخالق الرازق المميت المحيي ، ثم قال على جهة الاستفهام ( هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ ) ومعلوم أنهم
يقولون ليس فيهم من يفعل شيئا من ذلك ، فتقوم عليهم الحجة ، ثم نزه سبحانه نفسه فقال ( سبحانه وتعالى عما
فتح القدير — صفحة 227
مساهمون: الشوكاني
ص٢٢٧