المذكور في قوله - لا يحزنهم الفزع الأكبر - ، ووجه قراءة نافع أنه نصب يوم على الظرفية لكون الإعراب فيه غير
متمكن ، ولما كانت إضافة الفزع إلى ظرف غير متمكن بني ، وقد تقدم في سورة هود كلام في هذا مستوفى
( ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ) . قال جماعة من الصحابة ومن بعدهم حتى قيل إنه مجمع عليه بين
أهل التأويل : إن المراد بالسيئة هنا الشرك ، ووجه التخصيص قوله " فكبت وجوههم في النار " ، فهذا الجزاء
لا يكون إلا بمثل سيئة الشرك ، ومعنى " فكبت وجوههم في النار " أنهم كبوا فيها على وجوههم وألقوا فيها وطرحوا
عليها ، يقال كببت الرجل : إذا ألقيته لوجهه فانكب وأكب ، وجملة ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) بتقدير
القول : أي يقال ذلك ، والقائل خزنة جهنم : أي ما تجزون إلا جزاء عملكم ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة
الذي حرمها ) لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم هذه
المقالة : أي قل يا محمد إنما أمرت أن أخص الله بالعبادة وحده لا شريك له ، والمراد بالبلدة : مكة ، وإنما خصها
من بين سائر البلاد لكون فيها بيت الله الحرام ، ولكونها أحب البلاد إلى رسوله ، والموصول صفة للرب ، وهكذا
قرأ الجمهور . وقرأ ابن عباس وابن مسعود التي حرمها على أن الموصول صفة للبلدة ، ومعنى " حرمها " جعلها
حرما أمنا لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصطاد صيدها ، ولا يختلى خلاها ( وله كل شئ ) من
الأشياء خلقا وملكا وتصرفا : أي ولله كل شئ ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي المنقادين لأمر الله
المستسلمين له بالطاعة ، وامتثال أمره ، واجتناب نهيه ، والمراد بقوله " أن أكون " أن أثبت على ما أنا عليه ( وأن أتلوا
القرآن ) أي أداوم تلاوته وأواظب على ذلك . قيل وليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلا تلاوة الدعوة إلى الإيمان ،
والأول أولى ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) لأن نفع ذلك راجع إليه : أي فمن اهتدى على العموم ، أو فمن
اهتدى بما أتلوه عليه فعمل بما فيه من الإيمان بالله ، والعمل بشرائعه . قرأ الجمهور ( وأن أتلو ) بإثبات الواو بعد
اللام على أنه من التلاوة وهي القراءة ، أو من التلو ، وهو الاتباع . وقرأ عبد الله " وأن أتل " بحذف الواو أمرا له
صلى الله عليه وآله وسلم كذا وجهه الفراء . قال النحاس : ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة ، وهي مخالفة لجميع
المصاحف ( ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين ) أي ومن ضل بالكفر وأعرض عن الهداية فقل له إنما أنا من
المنذرين ، وقد فعلت بإبلاغ ذلك إليكم وليس علي غير ذلك . وقيل الجواب محذوف : أي فوبال ضلاله عليه ،
وأقيم إنما أنا من المنذرين مقامه لكونه كالعلة له ( وقل الحمد لله ) على نعمه التي أنعم بها علي من النبوة والعلم وغير
ذلك ، وقوله ( سيريكم آياته ) هو من جملة ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله : أي سيريكم الله
آياته في أنفسكم وفي غيركم ( فتعرفونها ) أي تعرفون آياته ، ودلائل قدرته ووحدانيته ، وهذه المعرفة لا تنفع الكفار
لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان ، وذلك عند حضور الموت . ثم ختم السورة بقوله ( وما ربك بغافل عما
تعملون ) وهو كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله ،
وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم . قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن عاصم " تعملون " بالفوقية على الخطاب ،
وقرأ الباقون بالتحتية .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( داخرين ) قال : صاغرين . وأخرج
هؤلاء عنه في قوله ( وترى الجبال تحسبها جامدة ) قال : قائمة ( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) قال : أحكم .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) قال : أحسن كل شئ خلقه
وأوثقه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( من جاء
فتح القدير — صفحة 156
مساهمون: الشوكاني
ص١٥٦