تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
المذكور في قوله - لا يحزنهم الفزع الأكبر - ، ووجه قراءة نافع أنه نصب يوم على الظرفية لكون الإعراب فيه غير متمكن ، ولما كانت إضافة الفزع إلى ظرف غير متمكن بني ، وقد تقدم في سورة هود كلام في هذا مستوفى ( ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار ) . قال جماعة من الصحابة ومن بعدهم حتى قيل إنه مجمع عليه بين أهل التأويل : إن المراد بالسيئة هنا الشرك ، ووجه التخصيص قوله " فكبت وجوههم في النار " ، فهذا الجزاء لا يكون إلا بمثل سيئة الشرك ، ومعنى " فكبت وجوههم في النار " أنهم كبوا فيها على وجوههم وألقوا فيها وطرحوا عليها ، يقال كببت الرجل : إذا ألقيته لوجهه فانكب وأكب ، وجملة ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) بتقدير القول : أي يقال ذلك ، والقائل خزنة جهنم : أي ما تجزون إلا جزاء عملكم ( إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها ) لما فرغ سبحانه من بيان أحوال المبدأ والمعاد أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم هذه المقالة : أي قل يا محمد إنما أمرت أن أخص الله بالعبادة وحده لا شريك له ، والمراد بالبلدة : مكة ، وإنما خصها من بين سائر البلاد لكون فيها بيت الله الحرام ، ولكونها أحب البلاد إلى رسوله ، والموصول صفة للرب ، وهكذا قرأ الجمهور . وقرأ ابن عباس وابن مسعود التي حرمها على أن الموصول صفة للبلدة ، ومعنى " حرمها " جعلها حرما أمنا لا يسفك فيها دم ، ولا يظلم فيها أحد ، ولا يصطاد صيدها ، ولا يختلى خلاها ( وله كل شئ ) من الأشياء خلقا وملكا وتصرفا : أي ولله كل شئ ( وأمرت أن أكون من المسلمين ) أي المنقادين لأمر الله المستسلمين له بالطاعة ، وامتثال أمره ، واجتناب نهيه ، والمراد بقوله " أن أكون " أن أثبت على ما أنا عليه ( وأن أتلوا القرآن ) أي أداوم تلاوته وأواظب على ذلك . قيل وليس المراد من تلاوة القرآن هنا إلا تلاوة الدعوة إلى الإيمان ، والأول أولى ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) لأن نفع ذلك راجع إليه : أي فمن اهتدى على العموم ، أو فمن اهتدى بما أتلوه عليه فعمل بما فيه من الإيمان بالله ، والعمل بشرائعه . قرأ الجمهور ( وأن أتلو ) بإثبات الواو بعد اللام على أنه من التلاوة وهي القراءة ، أو من التلو ، وهو الاتباع . وقرأ عبد الله " وأن أتل " بحذف الواو أمرا له صلى الله عليه وآله وسلم كذا وجهه الفراء . قال النحاس : ولا نعرف أحدا قرأ هذه القراءة ، وهي مخالفة لجميع المصاحف ( ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين ) أي ومن ضل بالكفر وأعرض عن الهداية فقل له إنما أنا من المنذرين ، وقد فعلت بإبلاغ ذلك إليكم وليس علي غير ذلك . وقيل الجواب محذوف : أي فوبال ضلاله عليه ، وأقيم إنما أنا من المنذرين مقامه لكونه كالعلة له ( وقل الحمد لله ) على نعمه التي أنعم بها علي من النبوة والعلم وغير ذلك ، وقوله ( سيريكم آياته ) هو من جملة ما أمر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله : أي سيريكم الله آياته في أنفسكم وفي غيركم ( فتعرفونها ) أي تعرفون آياته ، ودلائل قدرته ووحدانيته ، وهذه المعرفة لا تنفع الكفار لأنهم عرفوها حين لا يقبل منهم الإيمان ، وذلك عند حضور الموت . ثم ختم السورة بقوله ( وما ربك بغافل عما تعملون ) وهو كلام من جهته سبحانه غير داخل تحت الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله ، وفيه ترهيب شديد وتهديد عظيم . قرأ أهل المدينة والشام وحفص عن عاصم " تعملون " بالفوقية على الخطاب ، وقرأ الباقون بالتحتية . وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ( داخرين ) قال : صاغرين . وأخرج هؤلاء عنه في قوله ( وترى الجبال تحسبها جامدة ) قال : قائمة ( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) قال : أحكم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه أيضا في قوله ( صنع الله الذي أتقن كل شئ ) قال : أحسن كل شئ خلقه وأوثقه . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( من جاء