صار ذلك سببا قويا في عدم الاعتداد بهم ، شبه الكفار بالموتى الذين لا حس لهم ولا عقل ، وبالصم الذين
لا يسمعون المواعظ ولا يجيبون الدعاء إلى الله . ثم ذكر جملة لتكميل التشبيه وتأكيده فقال ( إذا ولوا مدبرين ) أي
إذا أعرضوا عن الحق إعراضا تاما ، فإن الأصم لا يسمع الدعاء إذا كان مقبلا فكيف إذا كان معرضا عنه موليا
مدبرا . وظاهر نفي إسماع الموتى العموم ، فلا يخص منه إلا ما ورد بدليل كما ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه
وآله وسلم خاطب القتلى في قليب بدر ، فقيل له يا رسول الله إنما تكلم أجسادا أرواح لها ، وكذلك ما ورد من
أن الميت يسمع خفق نعال المشيعين له إذا انصرفوا . وقرأ ابن محيصن وحميد وابن كثير وابن أبي إسحاق " لا يسمع "
بالتحتية مفتوحة وفتح الميم ، وفاعله الصم . وقرأ الباقون " تسمع " بضم الفوقية وكسر الميم من أسمع . قال قتادة :
الأصم إذا ولى مدبرا ثم ناديته لم يسمع ، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من الإيمان . ثم ضرب العمى مثلا لهم
فقال ( وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم ) أي ما أنت بمرشد من أعماه الله عن الحق إرشادا يوصله إلى المطلوب
منه وهو الإيمان ، وليس في وسعك ذلك ، ومثله قوله - إنك لا تهدى من أحببت - قرأ الجمهور بإضافة هادي إلى
العمى . وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيان " بهاد العمى " بتنوين هاد . وقرأ حمزة " تهدى " فعلا مضارعا ، وفي حرف
عبد الله " وما أن تهدي العمى " ( إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ) أي ما تسمع إلا من يؤمن لا من يكفر ، والمراد بمن
يؤمن بالآيات من يصدق القرآن ، وجملة ( فهم مسلمون ) تعليل للإيمان : أي فهم منقادون مخلصون . ثم هدد
العباد بذكر طرف من أشراط الساعة وأهوالها : فقال ( وإذا وقع القول عليهم ) .
واختلف في معنى وقوع القول عليهم ، فقال قتادة : وجب الغضب عليهم . وقال مجاهد : حق القول عليهم
بأنهم لا يؤمنون ، وقيل حق العذاب عليهم ، وقيل وجب السخط ، والمعاني متقاربة . وقيل المراد بالقول ما نطق به
القرآن من مجيء الساعة وما فيها من فنون الأهوال التي كانوا يستعجلونها ، وقيل وقع القول بموت العلماء وذهاب
العلم ، وقيل إذا لم يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر . والحاصل أن المراد بوقع وجب ، والمراد بالقول مضمونه ،
أو أطلق المصدر على المفعول : أي المقول ، وجواب الشرط ( أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم ) .
واختلف في هذه الدابة على أقوال ، فقيل إنها فصيل ناقة صالح يخرج عند اقتراب القيامة ويكون من أشراط
الساعة . وقيل هي دابة ذات شعر وقوائم طوال يقال لها الجساسة . وقيل هي دابة على خلقة بني ادم وهي في
السحاب وقوائمها في الأرض . وقيل رأسها رأس ثور وعينها عين خنزير وأذنها أذن فيل وقرنها قرن إيل ، وعنقها
عنق نعامة ، وصدرها صدر أسد ، ولونها لون نمر وخاصرتها خاصرة هر ، وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم
بعير ، بين كل مفصل ومفصل اثنا عشر ذرعا . وقيل هي الثعبان المشرف على جدار الكعبة التي اقتلعها العقاب
حين أرادت قريش بناء الكعبة ، والمراد أنها هي التي تخرج في آخر الزمان وقيل هي دابة ما لها ذنب ولها لحية وقيل
هي إنسان ناطق متكلم يناظر أهل البدع ويراجع الكفار ، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في التطويل بذكره وقد رجح
القول الأول القرطبي في تفسيره .
واختلف من أي موضع تخرج ؟ فقيل من جبل الصفا بمكة ، وقيل تخرج من جبل أبي قبيس . وقيل لها ثلاث
خرجات : خرجة في بعض البوادي حتى يتقاتل عليها الناس ، وتكثر الدماء ثم تكمن ، وتخرج في القرى ثم
تخرج من أعظم المساجد وأكرمها وأشرفها ، وقيل تخرج من بين الركن والمقام ، وقيل تخرج في تهامة ، وقيل من
مسجد الكوفة من حيث فار التنور ، وقيل من أرض الطائف ، وقيل من صخرة من شعب أجياد ، وقيل من صدع
في الكعبة .
فتح القدير — صفحة 151
مساهمون: الشوكاني
ص١٥١