تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
صادقين ) في ذلك ( قل عسى أن يكون ردف لكم ) يقال ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه ، وردفه إذا أتبعه وجاء في أثره ، والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الكفار عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم ولحقكم ، فتكون اللام زائدة للتأكيد ، أو بمعنى اقترب لكم ودنا لكم ، فتكون غير زائدة . قال ابن شجرة : معنى ردف لكم تبعكم ، قال ومنه ردف المرأة لأنه تبع لها من خلفها ، ومنه قول أبي ذؤيب : عاد السواد بياضا في مفارقه * لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا قال الجوهري : وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه بمعنى . قال خزيمة بن مالك بن نهد : إذا الجوزاء أردفت الثريا * ظننت بال فاطمة الظنونا قال الفراء : ردف لكم : دنا لكم ولهذا قيل لكم . وقرأ الأعرج " ردف لكم " بفتح الدال وهي لغة والكسر أشهر . وقرأ ابن عباس " أزف لكم " وارتفاع ( بعض الذي تستعجلون ) أي على أنه فاعل ردف ، والمراد بعض الذي تستعجلونه من العذاب : أي عسى أن يكون قد قرب ودنا وأزف بعض ذلك ، قيل هو عذابهم بالقتل يوم بدر ، وقيل هو عذاب القبر . ثم ذكر سبحانه فضله في تأخير العذاب فقال ( وإن ربك لذو فضل على الناس ) في تأخير العقوبة ، والأولى أن تحمل الآية على العموم ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه ( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) فضله وإنعامه ولا يعرفون حق إحسانه ، ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم ، فقال ( وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ) أي ما تخفيه . قرأ الجمهور " تكن " بضم التاء من أكن . وقرأ ابن محيصن وابن السميفع وحميد بفتح التاء وضم الكاف ، يقال كننته بمعنى سترته وخفيت أثره ( وما يعلنون ) وما يظهرون من أقوالهم وأفعالهم ( وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) قال المفسرون : ما من شئ غائب وأمر يغيب عن الخلق في السماء والأرض إلا في كتاب مبين إلا هو مبين في اللوح المحفوظ ، وغائبة هي من الصفات الغالبة والتاء للمبالغة . قال الحسن : الغائبة هنا هي القيامة . وقال مقاتل : علم ما يستعجلون من العذاب هو مبين عند الله وإن غاب عن الخلق . وقال ابن شجرة : الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه وغيبه عنهم مبين في أم الكتاب ، فكيف يخفى عليه شئ من ذلك ، ومن جملة ذلك ما يستعجلونه من العذاب فإنه موقت بوقت ومؤجل بأجل علمه عند الله فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له ؟ ( إن هذا القران يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون ) وذلك لأن أهل الكتاب تفرقوا فرقا وتحزبوا أحزابا يطعن بعضهم على بعض ويتبرأ بعضهم من بعض ، فنزل القران مبينا لما اختلفوا فيه من الحق ، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم ( وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ) أي وإن القران لهدى ورحمة لمن آمن بالله وتابع رسوله ، وخص المؤمنين لأنهم المنتفعون به ، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل ( إن ربك يقضي بينهم بحكمه ) أي يقضي بين المختلفين من بني إسرائيل بما يحكم به من الحق فيجازي المحق ويعاقب المبطل ، وقيل يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه . قرأ الجمهور بحكمه بضم الحاء وسكون الكاف . وقرأ جناح بكسرها وفتح الكاف جمع حكمة ( وهو العزيز العليم ) العزيز الذي لا يغالب ، والعليم بما يحكم به ، أو الكثير العلم ، ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة ، فقال ( فتوكل على الله ) والفاء لترتيب الأمر على ما تقدم ذكره ، والمعنى : فوض إليه أمرك واعتمد عليه فإنه ناصرك . ثم علل ذلك بعلتين : الأولى قوله ( إنك على الحق المبين ) أي الظاهر ، وقيل المظهر . والعلة الثانية قوله ( إنك لا تسمع الموتى ) لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهموا ولا يهتدون