صادقين ) في ذلك ( قل عسى أن يكون ردف لكم ) يقال ردفت الرجل وأردفته إذا ركبت خلفه ، وردفه إذا
أتبعه وجاء في أثره ، والمعنى : قل يا محمد لهؤلاء الكفار عسى أن يكون هذا العذاب الذي به توعدون تبعكم
ولحقكم ، فتكون اللام زائدة للتأكيد ، أو بمعنى اقترب لكم ودنا لكم ، فتكون غير زائدة . قال ابن شجرة :
معنى ردف لكم تبعكم ، قال ومنه ردف المرأة لأنه تبع لها من خلفها ، ومنه قول أبي ذؤيب :
عاد السواد بياضا في مفارقه * لا مرحبا ببياض الشيب إذ ردفا
قال الجوهري : وأردفه لغة في ردفه مثل تبعه وأتبعه بمعنى . قال خزيمة بن مالك بن نهد :
إذا الجوزاء أردفت الثريا * ظننت بال فاطمة الظنونا
قال الفراء : ردف لكم : دنا لكم ولهذا قيل لكم . وقرأ الأعرج " ردف لكم " بفتح الدال وهي لغة والكسر
أشهر . وقرأ ابن عباس " أزف لكم " وارتفاع ( بعض الذي تستعجلون ) أي على أنه فاعل ردف ، والمراد بعض
الذي تستعجلونه من العذاب : أي عسى أن يكون قد قرب ودنا وأزف بعض ذلك ، قيل هو عذابهم بالقتل يوم
بدر ، وقيل هو عذاب القبر . ثم ذكر سبحانه فضله في تأخير العذاب فقال ( وإن ربك لذو فضل على الناس )
في تأخير العقوبة ، والأولى أن تحمل الآية على العموم ويكون تأخير العقوبة من جملة أفضاله سبحانه وإنعامه
( ولكن أكثرهم لا يشكرون ) فضله وإنعامه ولا يعرفون حق إحسانه ، ثم بين أنه مطلع على ما في صدورهم ، فقال
( وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم ) أي ما تخفيه . قرأ الجمهور " تكن " بضم التاء من أكن . وقرأ ابن محيصن وابن
السميفع وحميد بفتح التاء وضم الكاف ، يقال كننته بمعنى سترته وخفيت أثره ( وما يعلنون ) وما يظهرون من
أقوالهم وأفعالهم ( وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين ) قال المفسرون : ما من شئ غائب وأمر
يغيب عن الخلق في السماء والأرض إلا في كتاب مبين إلا هو مبين في اللوح المحفوظ ، وغائبة هي من الصفات
الغالبة والتاء للمبالغة . قال الحسن : الغائبة هنا هي القيامة . وقال مقاتل : علم ما يستعجلون من العذاب هو مبين
عند الله وإن غاب عن الخلق . وقال ابن شجرة : الغائبة هنا جميع ما أخفى الله عن خلقه وغيبه عنهم مبين في أم
الكتاب ، فكيف يخفى عليه شئ من ذلك ، ومن جملة ذلك ما يستعجلونه من العذاب فإنه موقت بوقت ومؤجل
بأجل علمه عند الله فكيف يستعجلونه قبل أجله المضروب له ؟ ( إن هذا القران يقص على بني إسرائيل أكثر
الذي هم فيه يختلفون ) وذلك لأن أهل الكتاب تفرقوا فرقا وتحزبوا أحزابا يطعن بعضهم على بعض ويتبرأ بعضهم من
بعض ، فنزل القران مبينا لما اختلفوا فيه من الحق ، فلو أخذوا به لوجدوا فيه ما يرفع اختلافهم ويدفع تفرقهم
( وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين ) أي وإن القران لهدى ورحمة لمن آمن بالله وتابع رسوله ، وخص المؤمنين لأنهم
المنتفعون به ، ومن جملتهم من آمن من بني إسرائيل ( إن ربك يقضي بينهم بحكمه ) أي يقضي بين المختلفين من بني
إسرائيل بما يحكم به من الحق فيجازي المحق ويعاقب المبطل ، وقيل يقضي بينهم في الدنيا فيظهر ما حرفوه . قرأ
الجمهور بحكمه بضم الحاء وسكون الكاف . وقرأ جناح بكسرها وفتح الكاف جمع حكمة ( وهو العزيز العليم )
العزيز الذي لا يغالب ، والعليم بما يحكم به ، أو الكثير العلم ، ثم أمره سبحانه بالتوكل وقلة المبالاة ، فقال ( فتوكل
على الله ) والفاء لترتيب الأمر على ما تقدم ذكره ، والمعنى : فوض إليه أمرك واعتمد عليه فإنه ناصرك . ثم علل
ذلك بعلتين : الأولى قوله ( إنك على الحق المبين ) أي الظاهر ، وقيل المظهر . والعلة الثانية قوله ( إنك لا تسمع الموتى )
لأنه إذا علم أن حالهم كحال الموتى في انتفاء الجدوى بالسماع أو كحال الصم الذين لا يسمعون ولا يفهموا ولا يهتدون
فتح القدير — صفحة 150
مساهمون: الشوكاني
ص١٥٠