سورة الرعد الآية ( 17 - 18 )
لما خوف سبحانه عباده بإنزال ما لا مرد له أتبعه بأمور ترجى من بعض الوجوه ويخاف من بعضها ، وهى
البرق والسحاب والرعد والصاعقة وقد مر في أول البقرة تفسير هذه الألفاظ وأسبابها :
وقد اختلف في وجه انتصاب ( خوفا وطمعا ) فقيل على المصدرية : أي لتخافوا خوفا ولتطمعوا طمعا - وقيل
على العلة بتقدير إرادة الخوف والطمع لئلا يختلف فاعل الفعل المعلل وفاعل المفعول له ، أو على الحالية من
البرق ، أو من المخاطبين بتقدير ذوي خوف - وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه . قيل والمراد بالخوف هو الحاصل
من الصواعق ، وبالطمع هو الحاصل في المطر . وقال الزجاج : الخوف للمسافر لم يتأذى به المطر . والطمع
للحاضر ، لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب ( وينشئ السحاب الثقال ) التعريف للجنس
والواحدة سحابة ، والثقال جمع ثقيلة . والمراد أن الله سبحانه يجعل السحاب التي ينشئها ثقالا بما يجعله فيها من الماء
( ويسبح الرعد بحمده ) أي يسبح الرعد نفسه بحمد الله : أي متلبسا بحمده ، وليس هذا بمستبعد ، ولا مانع من أن
ينطقه الله بذلك - وإن من شئ إلا يسبح بحمده - ، وأما على تفسير الرعد بملك من الملائكة فلا استبعاد في ذلك .
ويكون ذكره على الإفراد مع ذكر الملائكة بعده لمزيد خصوصية له ، وعناية به ، وقيل المراد ويسبح سامعوا الرعد :
أي يقولون : سبحان الله والحمد لله ( والملائكة من خيفته ) أي ويسبح الملائكة من خيفة الله سبحانه ، وقيل من
خيفة الرعد . وقد ذكر جماعة من المفسرين أن هؤلاء الملائكة هم أعوان الرعد . وأن الله سبحانه جعل له أعوانا
( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ) من خلقه فيهلكه ، وسياق هذه الأمور هنا للغرض الذي سيقت له الآيات
التي قبلها ، وهى الدلالة على كمال قدرته ( وهم يجادلون في الله ) الضمير راجع إلى الكفار المخاطبين في قوله ( هو الذي
يريكم البرق ) أي وهؤلاء الكفرة مع هذه الآيات التي أراهم الله يجادلون في شأن الله سبحانه فينكرون البعث تارة
ويستعجلون العذاب آخري ، ويكذبون الرسل ويعصون الله . وهذه الجملة في محل نصب على الحال . ويجوز
أن تكون مستأنفة ( وهو شديد المحال ) قال ابن الأعرابي : المحال المكر ، والمكر من الله : التدبير بالحق . وقال
النحاس : المكر من الله إيصال المكروه إلى من يستحقه من حيث لا يشعر . وقال الأزهري : المحال القوة والشدة ،
والميم أصلية ، وما حلت فلانا محالا أينا أشد . وقال أبو عبيد : المحال العقوبة والمكروه قال الزجاج : يقال
ما حلته محالا : إذا قاويته حتى يتبين أيكما أشد ، والمحل في اللغة : الشدة . وقال ابن قتيبة : أي شديد الكيد ،
وأصله من الحيلة جعل الميم كميم المكان ، وأصله من الكون ، ثم يقال تمكنت قال الأزهري : غلط ابن قتيبة أن
الميم فيه زائدة بل هي أصلية ، وإذا رأيت الحرف على مثال فعال أوله ميم مكسورة فهي أصلية مثل مهاد وملاك
ومراس وغير ذلك من الحروف وقرأ الأعرج ( وهو شديد المحال ) بفتح الميم ، وقد فسرت هذه القراءة بالحول .
فتح القدير — صفحة 72
مساهمون: الشوكاني
ص٧٢