بسواء على معنى يستوى منكم من أسر ومن جهر ، أو سر من أسر وجهر من جهر ( ومن هو مستخف بالليل )
أي مستتر في الظلمة الكائنة في الليل متوار عن الأعين ، يقال خفى الشئ واستخفى : أي أستتر وتوارى ( وسارب
بالنهار ) قال الكسائي : سرب يسرب سربا وسروبا إذا ذهب ، ومنه قول الشاعر .
وكل أناس قاربوا قيد فحلهم * ونحن خلعنا قيده فهو سارب
أي ذهب . وقال القتيبي : سارب بالنهار متصرف في حوائجه بسرعة ، من قولهم : أسرب الماء . قال الأصمعي
حل سربه : أي طريقته . وقال الزجاج : معنى الآية الجاهر بنطقه ، والمضمر في نفسه ، والظاهر في الطرقات
والمستخفي في الظلمات علم الله فيهم جميعا سوى ، وهذا ألصق بمعنى الآية كما تفيده المقابلة بين المستخفي والسارب
فالمستخفي المستتر ، والسارب البارز الظاهر ( له معقبات ) الضمير في " له " راجع إلى من في قوله : من أسر القول
ومن جهر به ومن هو مستخف : أي لكل من هؤلاء معقبات ، والمعقبات المتناوبات أبي التي يخلف كل واحد منها
صاحبه ويكون بدلا منه ، وهم الحفظة من الملائكة في قول عامة المفسرين . قال الزجاج : المعقبات ملائكة يأتي
بعضهم بعقب بعض ، وإنما قال : معقبات مع كون الملائكة ذكورا لأن الجماعة من الملائكة يقال لها معقبة ، ثم
جمع معقبة على معقبات : ذكر معناه الفراء ، وقيل أنث لكثرة ذلك منهم نحو نسابة وعلامة . قال الجوهري :
والتعقب العود بعد البدء . قال الله تعالى - ولى مدبرا ولم يعقب - وقرئ " معاقيب " جمع معقب ( من بين يديه ومن
خلفه ) أي من بين يدي من له المعقبات والمراد إن الحفظة من الملائكة من جميع جوانبه ، وقيل المراد بالمعقبات
الأعمال ، ومعنى من بين يديه ومن خلفه : ما تقدم منها وما تأخر ( يحفظونه من أمر الله ) أي من أجل أمر الله ،
وقيل يحفظونه من يأس الله إذا أذنب بالاستمهال له والاستغفار حتى يتوب . قال الفراء : في هذا قولان : أحدهما
أنه على التقديم والتأخير ، تقديره : له معقبات من أمر الله يحفظونه من بين يديه ومن خلفه . والثاني أن كون الحفظة
يحفظونه هو مما أمر الله به . قال الزجاج : المعنى حفظهم إياه من أمر الله : أي مما أمرهم به لا أنهم يقدرون أن يدفعوا
أمر الله . قال ابن الأنباري : وفى هذا قول آخر ، وهو أن " من " بمعنى الباء : أي يحفظونه بأمر الله ، وقيل إن من
بمعنى عن : أي يحفظونه عن أمر الله بمعنى من عند الله ، لا من عند أنفسهم ، كقوله - أطعمهم من جوع - أي عن
جوع ، وقيل يحفظونه من ملائكة العذاب ، وقيل يحفظونه من الجن . واختار ابن جرير أن المعقبات المواكب
بين أيدي الأمراء ، على معنى أن ذلك لا يدفع عنه القضاء ( إن الله لا يغير ما بقوم ) من النعمة والعافية ( حتى يغيروا
ما بأنفسهم ) من طاعة الله . والمعنى : أنه لا يسلب قوما نعمة أنعم بها عليهم حتى يغيروا الذي بأنفسهم من الخير
والأعمال الصالحة ، أو يغيروا الفطرة التي فطرهم الله عليها . قيل وليس المراد أنه لا ينزل بأحد من عباده عقوبة حتى
يتقدم له ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير كما في الحديث إنه " سأل رسول الله سائل فقال : أنهلك
وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث " ( وإذا أراد الله بقوم سوءا ) أي هلاكا وعذابا ( فلا مرد له ) أي
فلا رد له ، وقيل المعنى : إذا أراد الله بقوم سوءا أعمى قلوبهم حتى يختاروا ما فيه البلاء ( وما لهم من دونه من
وال ) يلي أمرهم ويلتجئون إليه ، فيدفع عنهم ما ينزل بهم من الله سبحانه من العقاب . أو من ناصر ينصرهم ويمنعهم
من عذاب الله . والمعنى : أنه لا راد لعذاب الله ولا ناقص لحكمه .
وقد أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن الحسن في قوله ( وإن تعجب فعجب قولهم ) قال : إن تعجب يا محمد
من تكذيبهم إياك فعجب قولهم . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن زيد في الآية قال : إن تعجب
يا محمد من تكذيبهم ، وهم رأوا من قدرة الله وأمره ، وما ضرب لهم من الأمثال وأراهم من حياة الموتى والأرض
فتح القدير — صفحة 69
مساهمون: الشوكاني
ص٦٩