وأنصار في صاحب وناصر قال : وفى قوله ( فسالت أودية ) توسع : أي سال ماؤها . قال : ومعنى ( بقدرها )
بقدر مائها ، لأن الأودية ما سالت بقدر أنفسها . قال الواحدي : والقدر مبلغ الشئ . والمعنى : بقدرها من الماء ،
فإن صغر الوادي قل الماء وإن اتسع كثر ، وقال في الكشاف : بقدرها بمقدارها الذي يعرف الله أنه نافع
للممطور عليهم غير ضار . قال ابن الأنباري : شبه نزول القرآن الجامع للهدى والبيان بنزول المطر ، إذ نفع نزول
القرآن يعم كعموم نفع نزول المطر ، وشبه الأودية بالقلوب : إذ الأودية يستكن فيها الماء كما يستكن القرآن
والإيمان في قلوب المؤمنين ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) الزبد : هو الأبيض المرتفع المنتفخ على وجه السيل . ويقال
له الغثاء والرغوة ، والرابي : العالي المرتفع فوق الماء . قال الزجاج : هو الطافي فوق الماء . وقال غيره : هو الزائد
بسبب انتفاخه ، من ربا يربو إذا زاد . والمراد من هذا تشبيه الكفر بالزبد الذي يعلو الماء ، فإنه يضمحل ويعلق
بجنبات الوادي وتدفعه الرياح ، فكذلك يذهب الكفر ويضمحل . وقد تم المثل الأول ، ثم شرح سبحانه في
ذكر المثل الثاني فقال ( ومما يوقدون عليه في النار ) من لابتداء الغاية : أي ومنه ينشأ زبد مثل زبد الماء ، أو
للتبعيض بمعنى : وبعضه زبد مثله ، والضمير للناس ، أضمر مع عدم سبق الذكر لظهوره ، هذا على قراءة
يوقدون بالتحتية ، وبها قرأ حميد وابن محيصن والأعمش وحمزة والكسائي وحفص . وقرأ الباقون بالفوقية على
الخطاب ، واختار القراءة الأولى أبو عبيد . والمعنى : ومما توقدون عليه في النار فيذوب من الأجسام المنطرقة
الذائبة ( ابتغاء حلية ) أي لطلب اتخاذ حلية تتزينون بها وتتجملون في كالذهب والفضة ( أو متاع ) أي أو طلب متاع
تتمتعون به من الأواني والآلات المتخذة من الحديد والصفر والنحاس والرصاص ( زبد مثله ) المراد بالزبد هنا
الخبث . فإنه يعلو فوق ما أذيب من تلك الأجسام كما يعلو الزبد على الماء فالضمير في مثله يعود إلى زبدا رابيا ،
وارتفاع زبد على الابتداء وخبره مما يوقدون ( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) أي مثل ذلك الضرب البديع
يضرب لله مثل الحق ومثل الباطل . ثم شرع في تقسيم المثل فقال : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) يقال جفأ الوادي
بالهمز جفاء : إذا رمى بالقذر والزبد . قال الفراء : الجفاء الرمي . يقال : جفأ الوادي غثاء جفاء : إذا رمى به ،
والجفاء بمنزلة الغثاء . وكذا قال أبو عمرو بن العلاء ، وحكى أبو عبيدة أنه سمع رؤبة يقرأ جفالا . قال أبو عبيدة :
يقال أجفلت القدر إذا قذفت بزبدها . وأجفلت الريح السحاب إذا قطعته . قال أبو حاتم : لا يقرأ بقراءة رؤبة ،
لأنه كان يأكل الفأر . واعلم أن وجه المماثلة بين الزبدين في الزبد الذي يحمله السيل والزبد الذي يعلو الأجسام
المنطرقة أن تراب الأرض لما خالط الماء وحمله معه صار زبدا رابيا فوقه . وكذلك ما يوقد عليه في النار حتى يذوب
من الأجسام المنطرقة ، فإن أصله من المعادن التي تنبت في الأرض فيخالطها التراب ، فإذا أذيبت صار ذلك التراب
الذي خالطها خبثا مرتفعا فوقها ( وأما ما ينفع الناس ) منهما وهو الماء الصافي ، والذائب الخالص من الخبث
( فيمكث في الأرض ) أي يثبت فيها . أما الماء فإنه يسلك في عروق الأرض فتنتفع الناس به ، وأما ما أذيب من
تلك الأجسام فإنه يصاغ حلية وأمتعة . وهذان مثلان ضربهما الله سبحانه للحق والباطل . يقول : إن الباطل وإن
ظهر على الحق في بعض الأحوال وعلاه . فإن الله سبحانه سيمحقه ويبطله ويجعل العاقبة للحق وأهله كالزبد الذي
يعلو الماء فيلقيه الماء ويضمحل وكخبث هذه الأجسام فإنه وإن علا عليها فإن الكير يقذفه ويدفعه ، فهذا مثل
الباطل ، وأما الماء الذي ينفع الناس وينبت المراعى فيمكث في الأرض ، وكذلك الصفو من هذه الأجسام فإنه
يبقى خالصا لا شوب فيه ، وهو مثل الحق . قال الزجاج : فمثل المؤمن واعتقاده ونفع الإيمان كمثل هذا الماء
المنتفع به في نبات الأرض وحياة كل شئ ، وكمثل نفع الفضة والذهب وسائر الجواهر لأنها كلها تبقى منتفعا
فتح القدير — صفحة 75
مساهمون: الشوكاني
ص٧٥