في هذين الوقتين . وقد تقدم تفسير الغدو والآصال في الأعراف . وفى معنى هذه الآية قوله سبحانه - أو لم يروا
إلى ما خلق الله من شئ يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون - وجاء بمن في من في السماوات
والأرض تغليبا للعقلاء على غيرهم ، ولكون سجود غيرهم تبعا لسجودهم ، ومما يؤيد حمل السجود على الانقياد
ما يفيده تقديم لله على الفعل من الاختصاص ، فإن سجود الكفار لأصنامهم معلوم . ولا ينقادون لهم كانقيادهم لله
في الأمور التي يقرون على أنفسهم بأنها من الله ، كالخلق والحياة والموت ونحو ذلك ( قل من رب السماوات
والأرض ، أمر الله سبحانه رسوله أن يسأل الكفار من رب السماوات والأرض ؟ ثم لما كانوا يقرون بذلك
ويعترفون به كما حكاه الله سبحانه في قوله - ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز
العليم - وقوله - ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله - أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يجيب ، فقال ( قل الله )
فكأنه حكى جوابهم وما يعتقدونه . لأنهم ربما تلعثموا في الجواب حذرا مما يلزمهم ، ثم أمره بأن يلزمهم الحجة
ويبكتهم فقال ( قل أفتخذتم الله من دونه أولياء ) والاستفهام للإنكار : أي إذا كان رب السماوات والأرض هو الله
كما تقرون بذلك وتعترفون به كما حكاه سبحانه عنكم بقوله - قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم .
سيقولون لله - فما بالكم اتخذتم لأنفسكم من دونه أولياء عاجزين ( لا يملكون لأنفسهم نفعا ) ينفعونها به ( ولا ضرا )
يضرون به غيرهم أو يدفعونه عن أنفسهم ، فكيف ترجون منهم النفع والضر وهم لا يملكونهما لأنفسهم والجملة
في محل نصب على الحال ، ثم ضرب الله سبحانه لهم مثلا وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم ، فقال
( قل هل يستوى الأعمى والبصير ) أي هل يستوى الأعمى في دينه وهو الكافر ، والبصير فيه وهو الموحد ، فإن
الأول جاهل لما يجب عليه وما يلزمه ، والثاني عالم بذلك . قرأ بن محيصن وأبو بكر والأعمش وحمزة والكسائي ( أم
هل يستوى الظلمات والنور ) بالتحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية ، واختار القراءة الثانية أبو عبيد . والمراد بالظلمات
الكفر ، وبالنور الإيمان ، والاستفهام للتقريع والتوبيخ : أي كيف يكونان مستويين وبينهما من التفاوت ما بين
الأعمى والبصير ، وما بين الظلمات والنور ، ووحد النور وجمع الظلمة ، لأن طريق الحق واحدة لا تختلف ،
وطرائق الباطل كثيرة غير محصرة ( أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه ) أم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة :
أي بل أجعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه والاستفهام لإنكار الوقوع . قال ابن الأنباري : معناه أجعلوا لله شركاء
خلقوا مثل ما خلق الله فتشابه خلق الشركاء بخلق الله عندهم : أي ليس الأمر على هذا حتى يشتبه الأمر عليهم . بل
إذا فكروا بعقولهم وجدوا الله هو المنفرد بالخلق ، وسائر الشركاء لا يخلقون شيئا ، وجملة : خلقوا كخلقه في محل
نصب صفة لشركاء . والمعنى : أنهم لم يجعلوا لله شركاء متصفين بأنهم خلقوا كخلقه ( فتشابه ) بهذا السبب
( الخلق عليهم ) حتى يستحقوا بذلك العبادة منهم . بل إنما جعلوا له شركاء الأصنام ونحوها . وهى بمعزل عن أن
تكون كذلك ، ثم أمره الله سبحانه بأن يوضح لهم الحق ويرشدهم إلى الصواب فقال ( قل الله خالق كل شئ ) كائنا
ما كان ليس لغيره في ذلك مشاركة بوجه من الوجوه . قال الزجاج : والمعنى أنه خالق كل شئ مما يصح أن يكون
مخلوقا ، ألا ترى أنه تعالى شئ وهو غير مخلوق ( وهو الواحد ) أي المتفرد بالربوبية ( القهار ) لما عداه . فكل
ما عداه مربوب مقهور مغلوب ، ثم ضرب سبحانه مثلا آخر للحق وذويه ، وللباطل ومنتحليه فقال ( أنزل من
السماء ماء ) أي من جهتها والتنكير للتكثير أو للنوعية ( فسالت أودية ) جمع واد . وهو كل منفرج بين جبلين أو
نحوهما . قال أبو علي الفارسي : لا نعلم فاعلا جمع على أفعلة إلا هذا ، وكأنه حمل على فعيل فجمع على أفعلة مثل
جريب وأجربة . كما أن فعيلا حمل على فاعل ، فجمع على أفعال مثل يتيم وأيتام وشريف وأشراف ، كأصحاب
فتح القدير — صفحة 74
مساهمون: الشوكاني
ص٧٤