والمجرور : أي على ظلمهم في محل نصب على الحال أي حال كونهم ظالمين ، وعلى بمعنى مع : أي مع ظلمهم
وفى الآية بشارة عظيمة ورجاء كبير ، لأن من المعلوم أن الإنسان حال اشتغاله بالظلم لا يكون تائبا ، ولهذا قيل إنها
في عصاة الموحدين خاصة ، وقيل المراد بالمغفرة هنا تأخير العقاب إلى الآخرة ليطابق ما حكاه الله من استعجال
الكفار للعقوبة ، وكما تفيده الجملة المذكورة بعد هذه الآية ، وهى ( وإن ربك لشديد العقاب ) يعاقب العصاة
المكذبين من الكافرين عقابا شديدا على ما تقتضيه مشيئته في الدار الآخرة ( ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه
آية من ربه ) أي هلا أنزل عليه آية غير ما قد جاء به من الآيات ، وهؤلاء الكفار القائلون هذه المقالة هم المستعجلون
للعذاب . قال الزجاج : طلبوا غير الآيات التي أتى بها فالتمسوا مثل آيات موسى وعيسى ، فقال الله تعالى ( إنما
أنت منذر ) تنذرهم بالنار ، وليس إليك من الآيات شئ انتهى ، وهذا مكابرة من الكفار وعناد ، وإلا فقد أنزل
الله على رسوله من الآيات ما يغني البعض منه وجاء في - إنما أنت منذر - بصيغة الحصر لبيان أنه صلى الله عليه
وآله وسلم مرسل لإنذار العباد ، وبيان ما يحذرون عاقبته ، وليس عليه غير ذلك ، وقد فعل ما هو عليه ، وأنذر
أبلغ إنذار ، ولم يدع شيئا مما يحصل به ذلك إلا أتى به وأوضحه وكرره ، فجزاه الله عن أمته خيرا ( ولكل قوم
هاد ) أي نبي يدعوهم إلى ما فيه هدايتهم ورشادهم ، وإن لم تقع الهداية لهم بالفعل ولم يقبلوها ، وآيات الرسل مختلفة
هذا يأتي بآية أو آيات لم يأت بها الآخر بحسب ما يعطيه الله منها ، ومن طلب من بعضهم ما جاء به البعض الآخر فقد
بلغ في التعنت إلى مكان عظيم ، فليس المراد من الآيات إلا الدلالة على النبوة لكونها معجزة خارجة عن القدرة
البشرية ، وذلك لا يختص بفرد منها ، ولا بأفراد معينة . وقيل إن المعنى ولكل قوم هاد ، وهو الله عز وجل فإنه
القادر على ذلك ، وليس على أنبيائه إلا مجرد الإنذار ( الله يعلم ما تحمل كل أنثى ) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان
إحاطته بالعلم سبحانه ، وعلمه بالغيب الذي هذه الأمور المذكورة منه . قيل ويجوز أن يكون الاسم الشريف خبرا
لمبتدأ محذوف : أي ولكل قوم هاد وهو الله ، وجملة ( يعلم ما تحمل كل أنثى ) تفسير لهاد على الوجه الأخير .
وهذا بعيد جدا ، وما موصولة : أي يعلم الذي تحمله كل أنثى في بطنها من علقة ، أو مضغة ، أو ذكر ، أو أنثى ،
أو صبيح ، أو قبيح ، أو سعيد ، أو شقي . ويجوز أن تكون استفهامية : أي يعلم أي شئ في بطنها ، وعلى أي
حال هو . ويجوز أن تكون مصدرية : أي يعلم حملها ( وما تغيض الأرحام وما تزداد ) الغيض النقص : أي يعلم
لذي تغيضه الأرحام : أي تنقصه ، ويعلم ما تزداده . فقيل المراد نقص خلقة الحمل وزيادته كنقص أصبع أو زيادتها :
وقيل إن المراد نقص مدة الحمل على تسعة أشهر ، أو زيادتها ، وقيل إذا حاضت المرأة في حال حملها كان ذلك نقصا
في ولدها ، وقيل الغيض : ما تنقصه الأرحام من الدم ، والزيادة ما تزداده منه ، و " ما في ما تغيض وما تزداد
تحتمل الثلاثة الوجوه المتقدمة في ما تحمل كل أنثى ( وكل شئ عنده بمقدار ) أي كل شئ من الأشياء التي من
جملتها الأشياء المذكورة عند الله سبحانه بمقدار ، والمقدار : القدر الذي قدره الله ، وهو معنى قوله سبحانه - إنا
كل شئ خلقناه بقدر - أي كل الأشياء عند الله سبحانه جارية على قدره الذي قد سبق وفرغ منه ، لا يخرج عن
ذلك شئ ( عالم الغيب والشهادة ) أي عالم كل غائب عن الحس ، وكل مشهود حاضر ، أو كل معدوم وموجود
ولا مانع من حمل الكلام على ما هو أعم من ذلك ( الكبير المتعال ) أي العظيم الذي كل شئ دونه ، المتعالى عما يقوله
المشركون ، أو المستعلى على كل شئ بقدرته وعظمته وقهره ، ثم لما ذكر سبحانه أنه يعلم تلك المغيبات لا يغادره
شئ منها ، بين أنه عالم بما يسرونه في أنفسهم وما يجهرون به لغيره ، وأن ذلك لا يتفاوت عنده فقال ( سواء منكم
من أسر القول ومن جهر به ) فهو يعلم ما أسره الإنسان كعلمه بما جهر به من خير وشر وقوله منكم متعلق
فتح القدير — صفحة 68
مساهمون: الشوكاني
ص٦٨